يشكل اعتماد اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 15 أكتوبر 2026، قرارًا بشأن الصحراء الغربية، حظي بدعم 152 دولة، إشارة سياسية جديدة تؤكد حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وتذكيرًا بأن فرض الأمر الواقع والتحالفات الدبلوماسية ومراهنة الزمن لا يمكنها طمس قضية تصفية استعمار.
وتحمل هذه النتيجة دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الصحراء الغربية لا تزال قضية تصفية استعمار مدرجة ضمن إطار الأمم المتحدة، وأن حق الشعب الصحراوي في تقرير مستقبله بحرية يبقى في صلب المسار الدولي. وبالنسبة إلى المغرب، الذي يسعى إلى تكريس مقترح الحكم الذاتي بوصفه مخرجًا مفضلًا للنزاع، فإن هذا التأكيد يمثل انتكاسة دبلوماسية، لأنه يذكّر بأن الطموحات الإقليمية لأي دولة لا يمكن أن تحل محل إرادة الشعب المعني.
حق الشعوب لا يخضع لموازين القوى
اعتمدت اللجنة الرابعة، المكلفة بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، في نيويورك، مشروع القرار المتعلق بالصحراء الغربية، الوارد في الوثيقة رقم A/C.4/81/L.4، والذي يؤكد الحق الثابت لجميع الشعوب في تقرير المصير والاستقلال، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة والقرار رقم 1514 (د-15) الصادر في 14 ديسمبر 1960، والمتعلق بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إجراء إداري أو صيغة دبلوماسية، بل بمبدأ أساسي في القانون الدولي المعاصر، يقوم على عدم حرمان أي شعب من حقه في اختيار وضعه السياسي ومستقبله بحرية.
كما يؤكد مشروع القرار أن الخيارات المتعلقة بممارسة حق تقرير المصير ينبغي أن تتوافق مع مبادئ الأمم المتحدة وأن تعكس الإرادة الحرة للشعب المعني.
وهنا تكمن المسألة الأساسية في قضية الصحراء الغربية، إذ لا يمكن تحديد الحل وفقًا لمصالح المغرب وحدها، أو حسابات القوى الأجنبية، أو التوازنات الجيوسياسية الإقليمية.
فالمبدأ واضح القوة لا تصنع الحق، بل ينبغي للقانون أن يضبط ممارستها.
ومنذ عقود، يعمل المغرب على تعزيز وجوده في الصحراء الغربية، وتطوير شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية، والترويج لمقترح الحكم الذاتي بوصفه حلًا سياسيًا للنزاع، في محاولة لتوجيه النقاش الدولي بما يخدم مقترحه.
غير أن تكريس وضع قائم على الأرض لا يكفي، في حد ذاته، لتسوية مسألة الوضع النهائي للإقليم. فالاستثمارات والاتفاقيات السياسية ودعم بعض العواصم لا يمكنها أن تحل محل الموافقة الحرة للشعب الصحراوي.
وهذا ما يؤكده الإطار الأممي، الذي يجعل من تقرير مصير الشعب الصحراوي أساسًا للتوصل إلى حل سياسي. كما يدعم النص المعتمد مواصلة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، ويدعو الأطراف إلى إبداء الإرادة السياسية والعمل من أجل حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين.
وبالتالي، لا يمكن للدبلوماسية المغربية أن تحول مقترح الحكم الذاتي إلى قرار نهائي لمجرد تقديمه باعتباره الخيار الوحيد الممكن.
وتظل المسألة الجوهرية مرتبطة بحرية الاختيار، إذ إن أي حل يستبق النتيجة قبل تمكين الشعب الصحراوي من التعبير الحر عن إرادته يتعارض مع جوهر مبدأ تقرير المصير الذي أعادت الأمم المتحدة تأكيده.
ويشكل اعتماد القرار انتكاسة سياسية للمساعي الرامية إلى اختزال القضية الصحراوية في نزاع إقليمي عادي، كما أن استمرار إدراجها ضمن إطار تصفية الاستعمار يتعارض مع محاولات تقديمها على أنها قضية حُسمت نهائيًا لصالح السيادة المغربية.
ومع ذلك، ينبغي تقييم دلالة هذه الخطوة بدقة؛ فالقرار الذي اعتمدته اللجنة الرابعة لا يعلن استقلال الصحراء الغربية، ولا يحسم وحده الوضع النهائي للإقليم، كما لا يمثل حكمًا دوليًا يعلن هزيمة المغرب. لكنه يؤكد استمرار الإطار الأممي ومبدأ تقرير المصير.
وفي هذا التناقض بين الطموحات المغربية والمبادئ التي جرى تأكيدها في نيويورك، تتضح أبعاد الانتكاسة الدبلوماسية؛ فعلى الرغم من مرور السنوات والجهود المبذولة لفرض قراءة أحادية للنزاع، لا تزال القضية الصحراوية مفتوحة داخل الهيئات الدولية.
ومن ثم، فإن المعركة الدبلوماسية لا تختزل في عدد الدول الداعمة لهذا الطرف أو ذاك، بل تتعلق أيضًا بالمبادئ التي ينبغي أن تحكم تسوية النزاع. وفي هذا السياق، يحتفظ التأكيد الصريح لحق تقرير المصير في النص الأممي بأهمية كبيرة.
مرور الزمن لا يحوّل الاستعمار إلى حق
من بين الحسابات المتكررة في نزاعات تصفية الاستعمار، الرهان على الإنهاك، سواء من خلال استنزاف الشعوب المعنية، أو تراجع اهتمام الرأي العام الدولي، أو تعدد الأزمات العالمية، أو انتقال الاهتمام الدبلوماسي إلى قضايا أخرى أكثر إلحاحًا.
لكن قدم الوضع القائم لا يشكل، في حد ذاته، سندًا قانونيًا، كما أن طول أمد النزاع لا يلغي الحقوق التي يقوم عليها. ولا يمكن للفتور الدولي أن يكون بديلًا عن موافقة الشعب المعني.
ولا تزال الصحراء الغربية، ضمن منظومة الأمم المتحدة، إقليمًا لم تُسوَّ قضية تصفية الاستعمار فيه بصورة نهائية. ويطلب نص أكتوبر 2026 مواصلة دراسة الوضع من قبل الهيئات المختصة، وتقديم تقارير جديدة إلى الجمعية العامة خلال دورتها الثانية والثمانين.
وتكتسب هذه الاستمرارية المؤسسية دلالة مهمة، لأنها تعني أن الملف لا يختفي بفعل مرور السنوات أو تغير التحالفات. وما دام الشعب الصحراوي لم يتمكن من ممارسة حقه في تقرير المصير وفقًا للشروط التي يحددها الإطار الدولي، فإن القضية ستظل قائمة.
وبالنسبة إلى جبهة البوليساريو، يمثل هذا التطور سندًا دبلوماسيًا إضافيًا لمطلبها الأساسي، المتمثل في تمكين الشعب الصحراوي من تحديد مستقبله بحرية.
ولا تتوقف دلالة هذا التأكيد عند حدود المواجهة بين البوليساريو والرباط، بل تمتد إلى مصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا أمكن تجاوز مبادئ تصفية الاستعمار بمجرد امتلاك دولة ما وسائل سياسية أو اقتصادية أو عسكرية كافية، فإن حقوق الشعوب ستصبح رهينة لموازين القوى.
وفي المقابل، فإن الإبقاء على الصحراء الغربية ضمن إطار تصفية الاستعمار يمثل تذكيرًا بضرورة تطبيق القواعد الدولية بصرف النظر عن حجم قوة الأطراف المعنية.
ويدعو النص جميع الأطراف إلى التعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، ومواصلة المفاوضات، واحترام التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. وبذلك، فهو لا يعفي أي طرف من مسؤولياته، بل يؤكد ضرورة وجود مسار سياسي ذي مصداقية، يحترم حقوق الشعب الصحراوي.
وتتحمل المجموعة الدولية، بناءً على ذلك، مسؤولية ضمان ألا تتحول المفاوضات إلى آلية لإطالة أمد الوضع القائم إلى أجل غير مسمى، بل إلى مسار يسهم فعليًا في ممارسة حق تقرير المصير.
إن اعتماد قرار 15 أكتوبر لا ينهي النزاع، ولا يضمن بمفرده تحقيق تطلعات الشعب الصحراوي الوطنية بصورة فورية، لكنه يمثل تأكيدًا سياسيًا مهمًا للإطار القانوني الذي ينبغي أن تُحل القضية في نطاقه.
ويمكن للمغرب مواصلة مبادراته الدبلوماسية والترويج لمقترح الحكم الذاتي والبحث عن مزيد من الدعم، لكنه يظل أمام مطلب أساسي، يتمثل في أن الحل النهائي للصحراء الغربية لا يمكن أن يقتصر على تكريس مصالح طرف واحد، بل ينبغي أن يحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بحرية.
وهنا تكمن دلالة ما جرى في نيويورك؛ فتصفية الاستعمار لا تُعلن نهايتها بإرادة دولة واحدة، ولا تمحوها الشعارات أو التحالفات أو الحملات الإعلامية، بل تتطلب احترام القانون ومراعاة إرادة الشعوب.
من نيويورك : تصويت أممي يُبدّد رهانات المخزن على حسم قضية الصحراء الغربية




