الأولى الاقتصادي الوطني

من الاكتفاء بالوقود إلى تعزيز النفوذ الطاقوي.. الجزائر توسّع أوراقها الاستراتيجية في المتوسط وأوروبا

ستضيف مصفاة حاسي مسعود 5 ملايين طن من النفط الخام سنوياً ستضيفها إلى قدرات المعالجة في الجزائر عند دخولها حيز الإنتاج، مع استهداف إنهاء استيراد المازوت في 2027، بعد توقف واردات البنزين منذ 2023. ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على تأمين احتياجات السوق الداخلية، بل تمتد إلى دبلوماسية الطاقة الجزائرية، التي تستند إلى صادرات الغاز الطبيعي والشراكات الدولية، وتستعد لإضافة قدرات أوسع في تحويل المحروقات والمنتجات المكررة، بالتزامن مع اهتمام أوروبي متزايد بأمن الإمدادات وتنويع مصادر الطاقة.

وتضع تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بشأن تحقيق الاكتفاء الكامل من المازوت بعد تشغيل مصفاة حاسي مسعود في 2027، ملف التكرير في قلب المعادلة الطاقوية الجزائرية. فبعدما تمكنت البلاد، وفق ما أكده الرئيس، من الاستغناء عن استيراد البنزين منذ 2023 وتكوين احتياطي من الكيروسين قابل للتصدير، أصبح الرهان المقبل مرتبطاً بتوسيع تحويل النفط الخام محلياً، وتقليص المشتريات الخارجية من المشتقات النفطية، وتعزيز مرونة الجزائر في إدارة مواردها وإمداداتها.

ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية في ظل التغيرات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، حيث لم يعد امتلاك النفط الخام أو الغاز الطبيعي العامل الوحيد المحدد لموقع الدول المصدرة، بل أصبحت قدرات التكرير والتخزين والنقل وتأمين المنتجات النهائية عناصر أساسية في أمن الطاقة والعلاقات التجارية الدولية. وقد أبرزت الاضطرابات الأخيرة في أسواق المازوت أهمية هذه القدرات، خصوصاً بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على الواردات لتغطية احتياجات النقل والصناعة والزراعة.

ففي تقريرها الصادر يوم 14 أكتوبر 2026، حذرت وكالة الطاقة الدولية من احتمال استمرار اختلالات سوق المازوت العالمية إلى جانب من سنة 2027، بعدما تسببت اضطرابات الإنتاج والإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا في فقدان نحو 1.3 مليون برميل يومياً من المنتجات ذات الصلة خلال سبتمبر، بما يعادل 4.5% من الطلب العالمي، وفق الأرقام التي نقلتها رويترز. كما وصلت هوامش تكرير المازوت إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، في مؤشر على الضغوط التي تواجه سوق المنتجات المكررة.

وفي مثل هذه الظروف، يمنح إنتاج الوقود محلياً الدول قدرة أكبر على حماية إمداداتها الداخلية من صدمات الأسواق الخارجية. وبالنسبة إلى الجزائر، فإن تحقيق الاكتفاء من المازوت سيعني، إذا تجسد وفق الجدول المعلن، تقليص انكشاف السوق الوطنية على تقلبات أسعار الوقود المستورد، فضلاً عن الحد من احتياجات العملة الصعبة المخصصة لشراء هذه المادة.

ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على تراجع فاتورة الاستيراد، إذ يسمح توسيع التكرير بالاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة المرتبطة بالنفط الخام داخل الاقتصاد الوطني، عبر عمليات المعالجة والتحويل والتخزين والتوزيع. كما يعزز تكامل الأنشطة الصناعية بين الإنتاج الأولي للمحروقات وصناعة الوقود والبتروكيماويات، بما يوسع إمكانات الاستثمار والتشغيل والخدمات التقنية.

وتشكل مصفاة حاسي مسعود إحدى الأدوات الصناعية لتنفيذ هذا التوجه، بقدرة معالجة سنوية مقدرة بخمسة ملايين طن من النفط الخام، وإنتاج أولي مستهدف يبلغ مليون طن من المازوت، يرتفع تدريجياً إلى 2.8 مليون طن، إلى جانب 1.31 مليون طن من البنزين ومنتجات أخرى. وتوفر هذه التركيبة الإنتاجية إمكانية رفع المعروض الوطني من الوقود، في وقت تتوسع فيه الأنشطة المرتبطة بالنقل والصناعة والزراعة والبنية التحتية.

غير أن البعد الاستراتيجي الأوسع لهذه الاستثمارات يظهر عند ربطها بموقع الجزائر في شبكة الإمدادات الطاقوية المتوسطية، حيث تمثل البلاد أحد الموردين الرئيسيين للغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي، وتحتفظ بشراكات طويلة الأمد مع شركات ودول أوروبية في الاستكشاف والإنتاج والنقل.

وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة بين موردي الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي، بينما يمثل السوق الأوروبي الوجهة الرئيسية لصادرات الغاز الجزائري. كما توضح وثيقة أوروبية محدثة في جانفي 2026 أن نحو 80% من صادرات الغاز الجزائرية تتجه نحو الاتحاد، الذي استحوذ على قرابة 48% من تجارة الجزائر الخارجية في 2024.
وتكشف هذه الأرقام عن طبيعة الترابط الاقتصادي بين الطرفين، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي على الإمدادات الجزائرية ضمن سياسة تنويع مصادر الغاز، بينما تستفيد الجزائر من سوق تصديرية كبيرة وقريبة جغرافياً، ترتبط بها عبر بنية تحتية ومشاريع نقل قائمة.

ومن هذا المنظور، فإن تطوير قدرات التكرير لا يغير وحده حجم صادرات الغاز أو مكانة الجزائر في الأسواق الأوروبية، لكنه يوسع قاعدة قوتها الطاقوية من خلال تعزيز أمن الإمدادات الداخلية، وتقليص الاعتماد على واردات بعض المشتقات، وإتاحة فرص إضافية للتجارة في المنتجات النفطية المصنعة.

ويعني ذلك أن الجزائر تستطيع الجمع بين المحافظة على دورها مورداً رئيسياً للغاز وبين تطوير أنشطة تحويل المحروقات، دون ربط كل زيادة في الإنتاج النفطي الخام بزيادة مماثلة في صادراته، إذ يمكن توجيه جزء من الموارد إلى الصناعات المحلية ذات القيمة المضافة.

وتزامنت هذه التطورات مع تعزيز الجزائر علاقاتها الطاقوية مع شركائها الأوروبيين، حيث احتضنت الجزائر العاصمة يوم 12 فيفري 2026 الدورة السادسة للحوار السياسي رفيع المستوى حول الطاقة مع الاتحاد الأوروبي. وتناول الاجتماع، الذي شارك فيه المفوض الأوروبي للطاقة دان يورغنسن، تأمين إمدادات الغاز وتطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين والربط الكهربائي، إلى جانب الاستثمارات في البنية التحتية الطاقوية.

وأكد البيان الصادر عن المفوضية الأوروبية الطابع الاستراتيجي لهذه الشراكة، مع التشديد على توازن المصالح بين الجانبين، وهو ما يعكس انتقال العلاقات الطاقوية من عقود توريد الغاز إلى تعاون أشمل في البنية التحتية والتكنولوجيا والانتقال الطاقوي.

وقد ظهر هذا التوسع بصورة أوضح في العلاقات الجزائرية الألمانية، بعدما أقر البلدان، في إعلان مشترك صدر خلال جويلية 2026، الأهمية الاستراتيجية للشراكة الطاقوية، وأكدا مصلحة الطرفين في زيادة إمدادات الغاز وتنويع العلاقات التجارية، إلى جانب تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين والبنية التحتية.

واعتبر الإعلان الألماني أن الجزائر تؤدي دوراً مهماً في تنويع مصادر الإمداد الأوروبية، مع تأكيد أهمية مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي الذي يربط شمال إفريقيا بأوروبا.

واكتسب هذا المشروع زخماً مؤسساتياً إضافياً في الأول من أكتوبر 2026، عندما اجتمع ممثلو وزارات الطاقة في الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا بالعاصمة الجزائرية، ووقّعوا إعلان نوايا سياسياً مشتركاً بشأن مبادرة «SoutH2 Corridor».

ووفق وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية، أكد المشاركون أهمية الممر في تعزيز التكامل الإقليمي والتعاون الطاقوي والتنافسية الصناعية بين شمال إفريقيا وأوروبا، بما يضع الجزائر ضمن التصور الأوروبي لتطوير سلاسل إمداد الهيدروجين الأخضر مستقبلاً.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع مجالات الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية؛ فمن جهة، تواصل البلاد توظيف بنيتها التحتية وخبرتها الإنتاجية في تأمين الغاز الطبيعي لأسواقها التقليدية، ومن جهة أخرى، تعمل على بناء شراكات في الهيدروجين والكهرباء والطاقات المتجددة، مع تعزيز قدراتها الداخلية في تكرير النفط وإنتاج الوقود.

ويظهر الفارق بين هذه المسارات في طبيعة نتائجها الاقتصادية. فصادرات الغاز ترتبط بعقود توريد وبنية نقل قائمة، في حين لا يزال ممر الهيدروجين الجنوبي مشروعاً قيد التطوير يحتاج إلى استثمارات وقرارات تجارية واتفاقات شراء طويلة الأجل. أما مشروع مصفاة حاسي مسعود، فيستهدف بصورة مباشرة رفع إنتاج الوقود وتغطية الطلب الوطني، مع إمكانية الاستفادة مستقبلاً من الفائض القابل للتسويق.

وهذا التمييز أساسي لفهم أثر الاستثمارات الصناعية على الموقع الخارجي للجزائر، إذ لا تتحول الطاقة الإنتاجية الجديدة تلقائياً إلى نفوذ تجاري، وإنما تتطلب استقرار الإمدادات، والقدرة على تلبية المواصفات المطلوبة، والتنافسية السعرية، وتوفر وسائل النقل والتخزين والعقود التجارية.

وفي هذا السياق، يمثل الكيروسين فرصة إضافية لتوسيع محفظة المنتجات النفطية الجزائرية. فقد أكد الرئيس تبون امتلاك البلاد احتياطياً من هذه المادة يسمح بدراسة إمكانات تصديرها، بعد توفير احتياجات الاستهلاك الداخلي. ويمكن لهذه الإمكانية أن تمنح سوناطراك حضوراً أوسع في سوق وقود الطائرات، التي ترتبط بتطور حركة النقل الجوي الدولي ومستويات الطلب وأسعار المنتجات المكررة.

غير أن التصريحات لم تحدد حجم الاحتياطي القابل للتصدير أو العقود المبرمة بشأنه، ما يجعل الأثر التجاري المحتمل مرتبطاً بالكميات الفعلية المتاحة وبقدرة الجزائر على الوصول إلى المشترين وفق شروط السوق الدولية.

ويمنح تقليص واردات الوقود الجزائر هامشاً إضافياً في إدارة سياستها الطاقوية، لأنه يخفف الاعتماد على موردي المنتجات النهائية ويعزز القدرة على توجيه الموارد المالية نحو الاستثمارات والتجهيزات والتكنولوجيا. كما يقلل تعرض بعض القطاعات الاقتصادية لتقلبات أسواق المشتقات المستوردة، خصوصاً في فترات ارتفاع الأسعار أو اضطراب سلاسل الإمداد.

وتبرز أهمية هذا العامل في ظل التحولات التي تشهدها دبلوماسية الطاقة عالمياً، حيث أصبحت الدول المستوردة تعطي وزناً متزايداً لاستقرار الإمدادات وتنوع الموردين، بينما تسعى الدول المنتجة إلى توسيع أنشطة التحويل والتصنيع للاستفادة من مواردها الطبيعية بصورة أكبر.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن الجمع بين تأمين السوق الداخلية وتطوير قدرات التصدير يوفر أساساً لتوسيع علاقاتها التجارية والطاقوية، دون أن يعني بالضرورة تحول البلاد إلى مصدر صافٍ لجميع المشتقات البترولية فور دخول مصفاة حاسي مسعود الإنتاج. ويتوقف ذلك على تطور الاستهلاك الوطني، ومعدلات تشغيل المصافي، والكميات المنتجة فعلياً من كل مادة.

وعلى هذا الأساس، تتجاوز أهمية إعلان الاكتفاء المرتقب من المازوت في 2027 حدود قطاع التكرير وحده، باعتباره جزءاً من مسار أوسع لإعادة تنظيم القيمة الاقتصادية للمحروقات الجزائرية. فإنتاج البنزين محلياً، وتعزيز احتياطي وقود الطائرات، والاستثمار في مصافٍ جديدة، وتطوير الشراكات الغازية والهيدروجينية مع أوروبا، تشكل مسارات متكاملة في السياسة الطاقوية، وإن كانت تختلف من حيث درجة تقدمها وآجال تنفيذها.

وبين الضغوط التي تشهدها سوق المازوت العالمية، واستمرار الاهتمام الأوروبي بمصادر الطاقة الجزائرية، والتحضير لرفع قدرات التكرير ابتداءً من 2027، يتحدد الرهان المقبل في قدرة الجزائر على تحويل مواردها الطاقوية إلى منظومة إنتاج وإمداد أكثر تنوعاً، تجمع بين الاستقرار الداخلي والعائدات التصديرية والشراكات الصناعية طويلة الأمد.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام