الأولى الوطني تحاليل وآراء

خارطة الجزائر الإستراتيجية الجديدة.. كيف توظف الدولة السيادة والتنمية لتعزيز نفوذها الإقليمي؟

تكشف التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع وسائل الاعلام الوطنية عن ملامح رؤية إستراتيجية متكاملة تسعى الجزائر من خلالها إلى إعادة صياغة موقعها داخلياً وخارجياً، عبر الجمع بين ترسيخ السيادة الوطنية وتعزيز مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع الحضور الدبلوماسي في محيطها الإقليمي والدولي.

وفي قراءة تحليلية لهذه التوجهات، يرى الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية أحمد ميزاب أن المرحلة الراهنة تعكس انتقال الدولة الجزائرية إلى مقاربة جديدة تقوم على بناء القوة الوطنية من الداخل وتوظيفها كرافعة لتعزيز مكانة البلاد في محيطها المغاربي والأفريقي والمتوسطي.

ويؤكد ميزاب أن السيادة الوطنية تظل الركيزة الأساسية التي تنطلق منها مختلف السياسات العمومية، سواء تعلق الأمر بإدارة الملفات الداخلية أو بتوجيه العلاقات الخارجية. فالمواقف التي عبر عنها رئيس الجمهورية تعكس تمسكاً واضحاً باستقلالية القرار الوطني ورفض أي ضغوط أو إملاءات تمس المصالح العليا للدولة، بالتوازي مع العمل على تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة من خلال دعم مسارات التنمية وتحسين الأداء الحكومي وترسيخ الاستقرار المؤسساتي.

وفي هذا السياق، يبرز إعلان إطلاق حوار سياسي شامل مع مختلف القوى الوطنية باعتباره خطوة تندرج ضمن مسار تحديث الحوكمة وإعادة تنظيم المشهد السياسي بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد. ويرى الخبير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات التنفيذية على تجسيد الإصلاحات ميدانياً وتطوير جودة الخدمة العمومية وتعزيز النجاعة في معالجة الملفات ذات الصلة المباشرة بانشغالات المواطنين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يندرج التوجه الرسمي ضمن رؤية تهدف إلى إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد الوطني عبر تقليص التبعية للمحروقات وتوسيع مساهمة القطاعات الإنتاجية في خلق الثروة. وتعمل الدولة، وفق هذه المقاربة، على تطوير الفلاحة والصناعة والمناجم واقتصاد المعرفة، بالتوازي مع الاستثمار في البنية التحتية الكبرى التي من شأنها تعزيز الاندماج الاقتصادي ورفع تنافسية الجزائر في الأسواق الإقليمية والدولية. كما تسعى السلطات إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين من جهة، وضمان استدامة المؤشرات المالية والاقتصادية من جهة أخرى.

أما على المستوى الخارجي، فتبرز ملامح إستراتيجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز التعاون مع مختلف القوى الاقتصادية والتكنولوجية بما يخدم المصالح الوطنية. ويظهر ذلك من خلال توسيع مجالات التعاون مع عدد من الدول الأوروبية والدعوة إلى مراجعة بعض الاتفاقيات الاقتصادية وفق مبدأ التكافؤ والمصالح المتبادلة، مع التمسك في الوقت ذاته بالثوابت الوطنية المرتبطة بملف الذاكرة والعلاقات التاريخية.

ويشير أحمد ميزاب إلى أن البعد الإقليمي يحتل موقعاً محورياً في هذه الرؤية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار دول الجوار يمثل امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري. لذلك تواصل الجزائر دعم جهود الاستقرار في محيطها المغاربي والأفريقي، مع التركيز على تعزيز الأمن والتنمية في دول الجوار ومواصلة دورها كفاعل إقليمي يسعى إلى تسوية الأزمات عبر الحوار والحلول السياسية.

وتخلص هذه القراءة إلى أن الجزائر تتحرك اليوم وفق خارطة إستراتيجية شاملة تجمع بين حماية القرار السيادي وتحديث الاقتصاد وتعزيز التماسك الاجتماعي وتوسيع الحضور الدبلوماسي، بما يؤهلها لترسيخ مكانتها كقوة توازن إقليمية وشريك مؤثر في صناعة الاستقرار على المستويات المغاربية والأفريقية والمتوسطية.

شرف الدين عبد النور

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام