الأولى الوطني كتاب شرشال نيوز
✒️ قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز بقلم: البروفيسور نبيلة بن يحي أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية

حين كانت التجارة ترسم الطرق و الحروب ترسم الحدود.. هل نحن أمام منعطف العودة؟

في التاريخ، لم تكن الحدود السياسية دائمًا هي التي تصنع الجغرافيا؛ كثيرًا ما كانت الجغرافيا الاقتصادية هي التي تسبق الحدود وتؤثر في شكلها ووظيفتها.

قبل الدولة الحديثة، كانت القوافل والأسواق والموانئ والطرق التجارية تصنع فضاءات اتصال تتجاوز الانتماءات السياسية. طريق الحرير، وطرق الذهب والملح في الصحراء الكبرى، وشبكات التجارة البحرية في المتوسط والمحيط الهندي، كلها أنتجت خرائط من التفاعل لم تكن تتطابق بالضرورة مع خرائط الممالك والإمبراطوريات.

ثم جاءت الدولة الحديثة، ومعها الحرب والقوة والسيادة الإقليمية، فأصبحت الحدود أكثر صلابة.

الجيوش رسمت خطوطًا.. والمعاهدات ثبتتها.. والقوة حمتها

لكن القرن الحادي والعشرين يطرح سؤالًا مختلفًا؛ هل بدأت التجارة، مرة أخرى، في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية؟

اليوم لم تعد الشبكات التجارية مجرد حركة بضائع بين نقطتين. نحن أمام منظومات عابرة للحدود تضم:

  • سلاسل إمداد عالمية.
  • موانئ وممرات بحرية استراتيجية.
  • خطوط أنابيب وشبكات كهرباء.
  • كابلات بحرية للاتصالات والبيانات.
  • شبكات مالية ورقمية.
  • مناطق صناعية ولوجستية عابرة للحدود.
  • معادن استراتيجية تدخل في صناعة التكنولوجيا والطاقة.
  • ممرات اقتصادية تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.

هنا تحدث المفارقة

الحدود السياسية ما زالت ثابتة على الخريطة، لكن تدفقات الاقتصاد أصبحت أكثر قدرة على اختراقها والتأثير في قيمتها الاستراتيجية.

فالدولة قد تملك إقليمًا وحدودًا معترفًا بها، لكنها لا تستطيع تجاهل أن جزءًا من أمنها الاقتصادي أصبح مرتبطًا بميناء يقع خارج أراضيها، أو بممر بحري دولي، أو بمادة خام تأتي من قارة أخرى، أو بكابل بحري، أو بسلسلة توريد تمتد عبر عشرات الدول.

الى أين تنتهي جدود الدولة؟

لم يعد السؤال حول أين تنتهي حدود الدولة؟ بل أصبح أين تبدأ وتنتهي شبكات اعتمادها الاستراتيجي؟

وهنا تظهر أهمية التحوّل من جغرافيا الحدود إلى جغرافيا الشبكات. فالحدود تحدّد المجال القانوني للسيادة، لكن الشبكات تحدّد بدرجة متزايدة مجال الحركة والتأثير والاعتماد.

وقد تكون دولة ما بعيدة جغرافيًا عن دولة أخرى، لكنها شديدة الارتباط بها عبر الطاقة أو التجارة أو التكنولوجيا أو التمويل. وفي المقابل، قد تكون دولتان متجاورتان جغرافيًا لكنهما ضعيفتا الترابط الاقتصادي.

لذلك، فإن القوة في النظام الدولي لم تعد تقاس فقط بمساحة الإقليم أو طول الحدود، وإنما أيضًا بموقع الدولة داخل الشبكات العالمية للتدفّق.

من يسيطر على العقد الاستراتيجية في هذه الشبكات ــ الموانئ، الممرات، الطاقة، التكنولوجيا، التمويل، البيانات والمعادن الحيوية ــ يمتلك قدرة على التأثير تتجاوز حدود إقليمه.

وهنا يصبح مفهوم السيادة نفسه أكثر تعقيدًا؛ فالسيادة لم تعد فقط القدرة على حماية الحدود، وإنما أيضًا القدرة على حماية شبكات الدولة ومصادر اعتمادها وممرات وصولها إلى العالم.

لكن هل يعني ذلك أننا نعود إلى عالم ما قبل الدولة الحديثة؟

ليس تمامًا.

فالحدود لم تختفِ، والدولة لم تتراجع بالضرورة. بل ربما يحدث العكس، الدول أصبحت تستخدم التجارة والشبكات والممرات الاقتصادية كأدوات للقوة والنفوذ، كما تستخدم العقوبات والقيود على التكنولوجيا والتصدير والاستثمار كسلاح جيوسياسي.

إذن نحن لسنا أمام نهاية الحدود، وإنما أمام إعادة تعريف لوظيفتها.

من حدود تفصل فقط بين الأقاليم…إلى حدود تتفاعل مع شبكات تتجاوزها.

ومن جغرافيا تقوم على الأرض والسيطرة…إلى جغرافيا تجمع بين الأرض والتدفق والشبكة والعقدة.

هل نحن أمام “منعطف الرجوع”؟

ربما لا يكون الرجوع إلى الماضي، بل عودة منطق قديم بأدوات جديدة، فقد كانت التجارة في الماضي تصنع الطرق، ثم جاءت الحروب لتعيد رسم الحدود. أما اليوم، فقد أصبحت الشبكات التجارية والاقتصادية والتكنولوجية قادرة على إعادة ترتيب أهمية الحدود نفسها.

لقد بقيت الخريطة السياسية تقريبًا كما نعرفها، لكن الخريطة التي تتحرّك تحتها ــ خريطة الطاقة، والتجارة، والبيانات، والممرات، وسلاسل الإمداد والمعادن الاستراتيجية ــ تتغيّر بسرعة.

وربما يكون الصراع القادم ليس فقط على الأرض التي تقع داخل الحدود، بل على الشبكات التي تجعل هذه الأرض متصلة بالعالم.

وهنا يُصنع مفهوما آخر للجغرافيا السياسية؛ من يملك الأرض؟ ومن يملك الطريق؟ ومن يملك الشبكة؟ ومن يستطيع قطعها؟

ففي عالم الشبكات، قد تكون السيطرة على العقدة أكثر تأثيرًا من السيطرة على المسافة، وقد يصبح التحكّم في التدفّق أحد أهم أشكال القوة في القرن الحادي والعشرين.

البروفيسور نبيلة بن يحي

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام