الأولى الدولي الوطني تحاليل وآراء

الدكتورة المصرية مايسة خليل حسن لـ”شرشال نيوز”: تفويض السيسي لدعم السعودية يعيد تعريف دور مصر في الأمن الإقليمي

وافق مجلس النواب المصري، الاثنين، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة المملكة العربية السعودية، وذلك خلال الجلسة التي عقدها المجلس برئاسة المستشار هشام بدوي بالعاصمة الجديدة.
ويعد هذا التفويض بمثابة الضوء الأخضر للجيش المصري لتنفيذ عمليات عسكرية إذا طلبت الرياض المساعدة لمواجهة الحوثيين.
ولفهم هذا التفويض وتداعياته الاستراتيجية على الأمن الإقليمي، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالدكتورة مايسة خليل حسن، الأكاديمية المصرية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، التي أكدت أن تفويض السيسي لدعم السعودية يعيد تعريف دور مصر في الأمن الإقليمي.
وأوضحت الدكتورة مايسة خليل حسن، في مداخلتها لـ”شرشال نيوز”، أن قرار مجلس النواب المصري، الذي وافق بأغلبية الثلثين على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم لدعم السعودية عسكريًا، يحمل دلالات تتجاوز الإجراء الدستوري، إذ يعيد تعريف موقع مصر في منظومة الأمن الإقليمي، ويعبّر عن تحول في عقيدة الأمن القومي المصري، كما يطرح تساؤلات بشأن حدود الدور المصري في ظل نظام إقليمي يتشكل من جديد.
ولفتت الأكاديمية المصرية إلى أن القرار يستند إلى المادة 152 من الدستور، التي تشترط موافقة البرلمان بأغلبية الثلثين وأخذ رأي مجلس الدفاع الوطني قبل إرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود، مشيرة إلى أن قراءته تستدعي تجاوز الشكل الدستوري إلى المضمون الاستراتيجي، واستقراء المشهد الذي رسمه الرئيس المصري قبل طلب التفويض، فضلًا عن تتبع جذور مفهوم “مسافة السكة” الذي طرحه منذ عام 2014، والذي يجري تنفيذه اليوم على الأرض.
أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري
وأبرزت الدكتورة مايسة خليل حسن أن أمن الخليج ظل أحد أبعاد الأمن القومي المصري في الخطاب الرسمي، غير أن ما يجري اليوم لا يمثل تكرارًا لهذا الخطاب، بل تحويلًا له إلى التزام قابل للتنفيذ.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة مايسة خليل: “إن القرار يكرّس مبدأ أن الأمن السعودي والخليجي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ويعكس تحولًا في العقيدة الأمنية المصرية التي ارتبطت طويلًا بحدود الدولة والممرات المائية المباشرة، قبل أن تمتد لتشمل العمق الخليجي”.
وأشارت إلى أن هذا التحول يستند إلى حسابات عملية، باعتبار أن تهديد الحوثيين لمطار الرياض ومنشآت أرامكو لا يقتصر على السعودية، بل يهدد أيضًا أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهما الممران اللذان تعبر منهما التجارة المصرية إلى قناة السويس.
وفي هذا الإطار، أكدت الدكتورة مايسة خليل حسن أن الدفاع عن الرياض لا يمثل عملًا تضامنيًا فحسب، بل دفاعًا عن مصلحة مصرية مباشرة، مستحضرة تصريح وزير الخارجية بدر عبد العاطي بأن أمن السعودية جزء من الأمن القومي المصري والعربي، وأن أي مشاركة مصرية ستكون ذات طبيعة دفاعية لا هجومية، موضحة أن القرار يوسّع جغرافيا الأمن المصري دون أن يوسّع جغرافيا الحرب.
التفويض البرلماني لا يعني تدخلًا هجوميًا
وفيما يتعلق بطبيعة المهمة وحدودها، أكدت الدكتورة مايسة خليل حسن أن التفويض البرلماني ليس تفويضًا مفتوحًا، مشيرة إلى أن الرئيس المصري شدد، قبل أيام من القرار، على أن الدعم سيكون دفاعيًا ولن يشمل أي هجوم على اليمن.
وفي هذا السياق، ذكّرت الأكاديمية المصرية بكلمة الرئيس المصري خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية في 17 أكتوبر، حين دعا البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنحه تفويضًا لاتخاذ إجراء للدفاع عن السعودية إذا طلبت منه ذلك، مؤكدًا أن التحرك لا يستهدف الهجوم أو الحرب، وإنما الدفاع فقط.
واعتبرت الأكاديمية المصرية أن هذا التقييد يعكس وعيًا بالتكلفة المحتملة، موضحة أن طبيعة التهديد الحوثي، القائم على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تجعل تعزيز الدفاعات الجوية والرادار والحرب الإلكترونية من خيارات الدعم الأكثر فاعلية، بدلًا من إرسال قوات برية.
وأضافت قائلة: “إن هذا التوجه يتسق مع تاريخ مصر العسكري الحديث، إذ لم تنشر مصر قوات برية واسعة خارج حدودها منذ حرب الخليج عام 1991”.
وفي هذا السياق، ترى الدكتورة مايسة خليل حسن أن التفويض يمنح الرئيس المصري حرية التحرك في الإطار الدفاعي، ويجنّب مصر في الوقت نفسه الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، بما يحقق توازنًا بين الالتزام الإقليمي والحفاظ على القدرة على المناورة.
تسلسل القرارات يكشف عن مسار مدروس
وأكدت الدكتورة مايسة خليل حسن أن القرار لم يكن رد فعل لحظيًا على التصعيد الحوثي، بل جاء نتيجة قراءة استراتيجية سبقت طلب التفويض بأيام.
وفي هذا الصدد، أوضحت أن الرئيس المصري أعلن في 17 أكتوبر، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية، استعداد مصر لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها، داعيًا البرلمان إلى عقد جلسة طارئة للتصديق على التفويض.
وأضافت قائلة: “ثم جاء اجتماع مجلس الدفاع الوطني في 18 أكتوبر ليقرر الوقوف التام والتضامن الكامل مع السعودية، وتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة، مع التأكيد على ارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي”.
وأضافت أن الرئيس المصري أرسل، بعد ذلك بأيام، وزير خارجيته ورئيس مخابراته إلى الرياض لنقل رسالة خطية إلى ولي العهد محمد بن سلمان، في خطوة تعكس، بحسبها، أن القرار كان مصحوبًا بتنسيق مسبق مع الجانب السعودي قبل عرضه على البرلمان.
كما اعتبرت أن هذا التسلسل، من الإعلان السياسي إلى قرار مجلس الدفاع الوطني، ثم التنسيق الثنائي وصولًا إلى التفويض البرلماني، يكشف أن الرئيس المصري كان يستكمل مسارًا قراريًا مدروسًا، وأن التفويض جاء في نهاية المسار لا في بدايته.
من “مسافة السكة” إلى امتلاك القدرات العسكرية
ونوهت الدكتورة مايسة خليل حسن بمفهوم “مسافة السكة” الذي طرحه الرئيس المصري منذ عام 2014، معتبرة أنه لم يكن شعارًا دبلوماسيًا عابرًا، بل تعبيرًا عن قناعة سياسية ترى أن أمن الخليج من أمن مصر.
وفي السياق ذاته، أوضحت أن الفارق الجوهري بين عامي 2014 و2026 يتمثل في أن المفهوم كان في البداية تعبيرًا عن تضامن سياسي في سياق مختلف، دون أن يشكل التزامًا عسكريًا قابلًا للتنفيذ في غياب الأدوات اللازمة، مشيرة إلى أن المفهوم أصبح اليوم قابلًا للتنفيذ نتيجة تراكم القدرات التي أتاحت ترجمته إلى فعل.
واستشهدت ببيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، التي تفيد بأن إجمالي واردات مصر من الأسلحة بين عامي 2014 و2023 بلغ نحو 13.24 مليار دولار، لتحتل المرتبة الثالثة عالميًا بنسبة 4.7 بالمائة من الواردات العالمية، بعدما كانت في المرتبة الثالثة عشرة خلال العقد السابق بنسبة 2.2 بالمائة.
كما أشارت إلى تنوع مصادر التسليح المصري، موضحة أن حصة الولايات المتحدة تراجعت من 59 بالمائة في العقد السابق إلى 12 بالمائة بين عامي 2014 و2023، بينما تصدرت فرنسا القائمة بنسبة 29 بالمائة، تلتها روسيا بنسبة 26 بالمائة، ثم ألمانيا بنسبة 15 بالمائة، وإيطاليا بنسبة 9.5 بالمائة.
واعتبرت أن هذا التنويع لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل شرطًا لتعزيز استقلالية القرار المصري، مبرزة بالقول: “إن من يشتري سلاحه من مصدر واحد لا يستطيع أن يقرر متى يستخدمه”.
ولفتت الدكتورة مايسة خليل حسن إلى أن مصر لم تكتفِ بشراء السلاح، بل اتجهت إلى توطين الصناعات العسكرية، مشيرة إلى بدء إنتاج الهاوتزر الكوري K9A1 EGY محليًا، وإعلان وزارة الإنتاج الحربي في مارس 2026 الانتهاء من المرحلة الأولى من تصنيعه، مع تسليم أول كتيبة للقوات المسلحة في النصف الأول من العام نفسه.
وأضافت الدكتورة مايسة خليل حسن قائلة: “إن الدعم المصري للسعودية، إذا تطلب الأمر، لن يكون بالضرورة قائمًا على شراء عاجل من الخارج، بل يمكن أن يستند إلى مخزون وقدرات إنتاج محلية قائمة”.
كما أكدت أن القدرات الدفاعية التي راكمتها مصر تجعل الدعم الدفاعي ممكنًا دون الحاجة إلى نشر قوات برية، بما يتسق مع التقييد الذي وضعه الرئيس المصري.
أربع رسائل إقليمية للقرار المصري
وفي ردها على سؤال “شرشال نيوز” بشأن الدلالات الاستراتيجية والإقليمية لهذا القرار، أكدت الدكتورة مايسة خليل حسن أن القرار لا يقتصر على تفويض لدعم حليف، بل يمثل إعادة تعريف لدور مصر بوصفها ضامنًا أمنيًا إقليميًا بصلاحيات مرنة، وتحولًا من طرف يتلقى ترتيبات الأمن الإقليمي إلى طرف يشارك في صياغتها.
وأوضحت أن القرار يوجه أربع رسائل متزامنة، أولها إلى السعودية، وتحمل معنى الطمأنة في ظل تآكل الضمانات الأمريكية التقليدية وتصاعد التهديدات الحوثية التي تستهدف المنشآت الحيوية السعودية.
وأضافت قائلة: “وتتمثل هذه الرسالة في تأكيد استعداد مصر للوقوف إلى جانب الرياض بأدوات قابلة للتفعيل”، مشيرة إلى أن مضمون الرسالة ليس جديدًا، لكن الجديد هو قابليتها للتنفيذ مقارنة بعام 2014.
أما الرسالة الثانية، فتوجهها مصر إلى الولايات المتحدة والاحتلال، وهي رسالة لتثبيت الموقع وليست للتحدي أو الاستفزاز. وأوضحت مضمونها بالقول: “إن مصر ليست طرفًا هامشيًا في ترتيبات الأمن الإقليمي، بل فاعل يمتلك القدرة والشرعية للتدخل دفاعيًا ضد المحاولات غير الشرعية التي تمس الأمن الإقليمي المرتبط بأمنها القومي، وأن أي ترتيب أمني لا يأخذ مصر في الحسبان سيكون ترتيبًا ناقصًا”.
أما الرسالة الثالثة، فتتمثل، بحسب الأكاديمية المصرية، في ردع الحوثيين، من خلال التأكيد أن تهديد الممرات الحيوية التي تمر منها التجارة المصرية لن يمر دون رد، مع بقاء هذا الرد في الإطار الدفاعي لا الهجومي. ووصفت المتحدثة هذا الردع بأنه محدود وانتقائي، يستهدف تهديدًا محددًا يتعلق بباب المندب وقناة السويس.
وفيما يخص الرسالة الرابعة، قالت الدكتورة مايسة خليل إنها “تتعلق ببناء مصر موقعًا ثالثًا لا يندرج ضمن التحالفات الجامدة”، موضحة أن مصر لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة بوصفها حامية للسعودية، ولا إلى الانضمام إلى حلف مكة الذي تشكل في غيابها، بل تعمل على بناء موقع يجعلها شريكًا أمنيًا موثوقًا، مع الاحتفاظ باستقلاليتها ورفض الانخراط في تحالفات عسكرية شاملة.
واعتبرت أن هذا الموقع يجعل القرار أكثر تعقيدًا من مجرد تفويض لدعم حليف، لأنه يعيد تعريف دور مصر بوصفها ضامنًا أمنيًا إقليميًا بصلاحيات مرنة، لا كحليف تابع ضمن تحالف جامد.
الموقع الإقليمي الجديد يضع مصر أمام اختبار مزدوج
وحذرت الدكتورة مايسة خليل حسن من أن هذا الموقع الثالث يضع مصر أمام اختبار مزدوج، مبرزة ذلك بالقول: “إن هذا الموقع يمنحها نفوذًا أكبر، لكنه يحملها مسؤولية أكبر، ويوسع حرية مناورتها”، مشيرة إلى أنه أيضًا “يجعلها عرضة للاتهام بالانحياز من مختلف الأطراف، كما يحولها إلى فاعل لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه إلى هدف لا يمكن تجنبه”.
وفي المقابل، أكدت أن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على قوة القرار وحدها، بل على قدرة مصر على إدارته، من خلال تحديد توقيت التحرك وحدوده، ومعرفة متى تشارك ومتى تكتفي بالدعم غير المباشر، مع الحفاظ على التوازن بين الالتزام الإقليمي والاستقلالية الوطنية.
وخلصت الدكتورة مايسة خليل إلى القول: “إن مصر، بهذا القرار، لم تكتفِ بالدفاع عن مصالحها المباشرة، بل أعادت تعريف قواعد اللعبة الإقليمية، وانتقلت من دولة تنتظر من يحميها إلى دولة تحمي، ومن طرف في معادلة أمنية يصوغها الآخرون إلى طرف يشارك في صياغتها”.
وأضافت أن “هذا التحول لا يتعلق بتكتيك مؤقت، بل بالمكانة”، مشيرة إلى أن مصر التي عبرت في عام 1973 لاستعادة أرضها، تسعى اليوم بأدوات مختلفة إلى تثبيت موقعها ضامنًا أمنيًا إقليميًا يمتلك القدرة والشرعية والاستقلالية في آن واحد.
كما أكدت أن مصر لا تقدم نفسها بديلًا لأحد، بل ضرورة لأي ترتيب إقليمي قادم، موضحة بالقول: “إن أي نظام أمني في الشرق الأوسط لا يقوم على مصر سيكون نظامًا هشًا، وأي ترتيب لا يمنحها موقعها سيكون ترتيبًا ناقصًا”.
وختمت كلمتها بالقول: “إن المعنى الأعمق للقرار يتمثل في أنه لم يغير فقط ما تفعله مصر، بل غيّر ما تعنيه في حسابات القوى الإقليمية والدولية”.

مهدي الباز

 

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام