الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء

الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ”شرشال نيوز” نجاح التصنيع الأفريقي يرتبط بتكوين الموارد البشرية وتطوير القدرات المحلية

يضع الاتحاد الأفريقي مسألة التحوّل الصناعي في صدارة أولوياته التنموية، كاسرًا النمط الاقتصادي التقليدي القائم على تصدير المواد الخام دون قيمة مضافة محليًا.

وقد تأكد هذا التوجّه من خلال دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إلى ضرورة تسريع وتيرة التحوّل الصناعي وتعزيز الاستثمارات البينية داخل القارة الأفريقية، مؤكدًا أن أفريقيا تزخر بفرص هائلة وموارد طبيعية وفيرة، إلى جانب طاقة شبابية هائلة وسوق قارية واعدة تضم نحو 1.5 مليار نسمة.

وفي كلمته خلال فعالية رفيعة المستوى لمبادرة الأعمال العالمية لأفريقيا، عُقدت في نغاليا تحت عنوان “أفريقيا بلا حدود 2026: تعزيز الأعمال، وتوسيع الاقتصادات، وصياغة المستقبل”، بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد يوسف على ضرورة تجاوز مرحلة تصدير المواد الخام وتطوير سلاسل القيمة القارية.

هذا التوجّه الاقتصادي يبرز كتحوّل في نمط التفكير الاقتصادي الأفريقي، ولفهم أبعاد هذا التحوّل ومضامينه، وأيضًا آفاق هذا التوجه مستقبلًا، أجرت “شرشال نيوز” اتصالًا بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، الذي أكّد أن التصنيع الأفريقي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا يحتاج إلى أموال ضخمة فقط، وإنما كاستراتيجية تقوم على ترتيب الأولويات وتكامل القدرات، في ظل محدودية التمويل وفجوة التكنولوجيا وضعف البنية التحتية في عدد من دول القارة.

وأوضح الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ”شرشال نيوز”، أن هذا التفكير لا ينبغي أن يرتكز على تقليد التجارب الصناعية الكبرى، ولا على انتظار تدفّق رؤوس الأموال الأجنبية لبدء عملية التصنيع، وإنما على بناء استراتيجية واقعية تنطلق من الإمكانات المتاحة وتوظفها بأعلى كفاءة ممكنة.

وأكد أن أفريقيا لا تحتاج في المرحلة الأولى إلى صناعة كل شيء، بقدر حاجتها إلى تحديد ما تستطيع إنتاجه بكفاءة، وما يمكن تحويله إلى قيمة مضافة داخل القارة.

من تصدير الخام إلى تصدير القيمة

وأوضح الأستاذ تيغرسي أن المعضلة الأساسية للاقتصادات الأفريقية لا تتمثّل في نقص الموارد، وإنما في ضعف تحويلها إلى قيمة اقتصادية، مشيرًا إلى أن القارة تصدر كميات كبيرة من النفط والغاز والمعادن والمنتجات الزراعية، ثم تستورد جزءًا مهمًا من المنتجات المصنعة المرتبطة بهذه الموارد.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التحوّل الصناعي ينبغي أن يبدأ بخطوة عملية تتمثّل في إضافة مرحلة أو مرحلتين من التصنيع إلى الموارد الموجودة أصلًا، فبدلًا من تصدير الخام، يمكن تطوير عمليات المعالجة والتحويل، ثم الانتقال تدريجيًا إلى الصناعات الوسيطة والمنتجات النهائية.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي أن هذه المقاربة أقل تكلفة وأكثر واقعية من محاولة بناء قاعدة صناعية شاملة في وقت واحد، كما تسمح بتكوين الخبرات وتراكم رأس المال الصناعي تدريجيًا.

لا يمكن لكل دولة أن تصنع كل شيء

ويرى الأستاذ تيغرسي أن أحد أكبر التحديات أمام التصنيع الأفريقي يتمثّل في تشتّت الأسواق والقدرات الإنتاجية، ولذلك لا يكمن الحل في محاولة كل دولة بناء صناعة متكاملة بمفردها، وإنما في تقسيم العمل الصناعي بين الدول الأفريقية.

وأوضح أن دولة يمكن أن تتخصص في استخراج ومعالجة المواد الأولية، وأخرى في الصناعات الوسيطة، وثالثة في التجميع، بينما توفّر دول أخرى الخدمات اللوجستية والطاقة أو المكوّنات.

وبهذه الطريقة، حسبه، يمكن أن تتحوّل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية من مجرد اتفاق تجاري إلى منصة لبناء سلاسل قيمة أفريقية مشتركة.

المال القليل يحتاج إلى أولويات واضحة

وأكّد الخبير تيغرسي أن محدودية الموارد المالية تجعل الأولوية لكيفية إنفاق الأموال، وليس لحجمها فقط، موضحًا أنه لا يمكن بناء آلاف المشاريع في الوقت نفسه، لكن يمكن اختيار عدد محدود من القطاعات القادرة على خلق أكبر قيمة مضافة وتشغيل أكبر عدد من العمال وتحقيق قدرة تصديرية واضحة.

وفي هذا الصدد، شدّد الخبير بالقول: “ينبغي أن تركز الاستثمارات العامة على البنية التحتية التي تخدم الإنتاج مباشرة، من طرق وسكك حديدية وموانئ وكهرباء ومياه واتصالات.”

كما أشار، في هذا السياق، إلى أن الطريق الذي يربط منجمًا بمصنع، والسكة التي تربط منطقة إنتاج بالميناء، والكهرباء التي تصل إلى منطقة صناعية، ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، وإنما أدوات للإنتاج والاستثمار.

التكنولوجيا.. لماذا نشتريها ولا نتعلمها؟

ولفت الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي إلى الفجوة التكنولوجية، قائلًا: “إنها تمثل تحديًا حقيقيًا، غير أن مواجهتها لا تتطلب بالضرورة أن تنتج أفريقيا كل التكنولوجيا بنفسها منذ البداية.”

وفي ذات السياق، أوضح أن جذب الشركات الدولية يمكن أن يتمّ من خلال شراكات استثمارية تربط دخولها إلى السوق الأفريقية بنقل المعرفة والتكوين وتطوير الموردين المحليين وإنشاء مراكز تقنية، بما يجعل الاستثمار الأجنبي وسيلة لنقل التكنولوجيا وليس مجرد مصدر لرأس المال.

وأكّد أن المعيار الحقيقي للاستثمار الناجح لا ينبغي أن يكون حجم الأموال التي دخلت فقط، وإنما أيضًا حجم التكنولوجيا التي بقيت داخل البلد، وعدد العمال الذين تم تكوينهم، وعدد المؤسسات المحلية التي أصبحت قادرة على المشاركة في سلسلة الإنتاج.

القفز التكنولوجي فرصة أفريقية

وأشار الأستاذ تيغرسي إلى أن أفريقيا، في بعض المجالات، لا تحتاج إلى المرور بجميع المراحل التي مرّت بها الدول الصناعية، موضحًا أن الرقمنة والدفع الإلكتروني والذكاء الاصطناعي والزراعة الذكية والطاقة الشمسية يمكن أن تسمح للقارة بالقفز فوق مراحل تقليدية مكلفة.

وفي هذا الشأن بالذات، أكد أن لأفريقيا إمكانية الجمع بين التصنيع التقليدي في قطاعات مثل التعدين والزراعة والصناعات الغذائية، وبين اقتصاد رقمي حديث في مجالات الخدمات والتمويل والتجارة واللوجستيك، مشددًا على أن المطلوب ليس اختيار التكنولوجيا الأكثر تكلفة، وإنما التكنولوجيا الأكثر ملاءمة للحاجة والأكثر قدرة على رفع الإنتاجية.

التمويل الأفريقي قبل انتظار الخارج

كما دعا الخبير الاقتصادي إلى إعادة النظر في طريقة تعبئة الموارد المالية، موضحًا أن القارة لا تفتقر فقط إلى الأموال، وإنما تعاني أيضًا من تشتت مصادر التمويل.

وفي ذات السياق، اقترح توجيه جزء أكبر من موارد البنوك وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية وصناديق التقاعد والثروات السيادية نحو مشاريع إنتاجية مشتركة، خصوصًا المشاريع العابرة للحدود.

الإنسان هو التكنولوجيا الأولى

وشدّد الخبير الاقتصادي تيغرسي على أن أي استراتيجية صناعية ستبقى محدودة إذا لم ترافقها ثورة في تكوين الموارد البشرية، موضحًا أن المصنع الحديث يحتاج إلى مهندس وتقني ومبرمج ومختص في الصيانة والجودة واللوجستيك والإدارة.

والجزائر أين يمكن أن تتموقع؟

وفيما يتعلق بالجزائر، أشار الخبير الاقتصادي تيغرسي إلى أن التحوّل الصناعي الأفريقي يفتح مجالًا واسعًا لبناء شراكات تتجاوز مفهوم تصدير السلع إلى تصدير الخبرة والإنتاج والاستثمار.

وأوضح أن الجزائر تمتلك موارد طاقوية ومعدنية، وخبرة في الكهرباء والغاز والهندسة، وموقعًا جغرافيًا يسمح لها بأن تكون حلقة مهمة في هذا الشأن.

وهنا تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الجزائر تسعى لتعزيز هذا التوجّه من خلال مد يد المساعدة للدول الأفريقية، لا سيما الصديقة منها والتي تتشارك مع الجزائر الرؤية في أفريقيا قوية ومزدهرة، حيث استقبلت، اليوم، 500 متربص نيجيري، سيستفيدون من برامج تكوينية في 19 تخصّصًا على مستوى عدد من مراكز ومعاهد التكوين والتعليم المهنيين عبر الوطن، وذلك تنفيذًا لتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وفي إطار تعزيز التعاون الجزائري–النيجيري في مجال التكوين والتعليم المهنيين.

كما أن هذا يعكس حرص الجزائر على توظيف منظومتها الوطنية للتكوين والتعليم المهنيين كرافد للتعاون الأفريقي، ويجسّد توجّه الجزائر نحو جعل التكوين المهني أداة لتبادل الخبرات وبناء الكفاءات وتعزيز التعاون جنوب–جنوب.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام