الأولى الدولي الوطني كتاب شرشال نيوز
✒️ بقلم: أماني مونكايلا بوريما*

الجزائر – النيجر: الجذور التاريخية لأخوة راسخة

إن تاريخ أي أمة يُقاس بالمواقف والأحداث الكبرى التي صنعت وعي شعبها. وفي هذا السياق، حفِل تاريخ كل من النيجر والجزائر بمحطات كبيرة من المقاومة البطولية، والآلام، والشجاعة، والشرف كذلك. وتجسد شخصيات رمزية مثل الأمير عبد القادر في الجزائر، والملكة ساراونيا مانغو (Sarraounia Mangou) – قائدة جيش شعب “أزنا” (غوبير) (Azna- Gobir)ورمز المقاومة الشرسة للاستعماري الفرنسي في النيجر- أسمى قيم حب الوطن والتطلع إلى الحرية. لقد خاض هؤلاء الأبطال، برفضهم الخضوع للمحتل، كفاحًا ذا أبعاد تاريخية تظل رسالته وإرثه خالدين لا يسقطان بالتقادم.

وفي الحالة الخاصة بالجزائر، لا تقتصر هذه المحطات البارزة على الجانب العسكري الفدائي فحسب، بل تنبع من قدرة ذاتية ومتأصلة على بث الطمأنينة وإقناع الآخرين. فالجزائر تفرض نفسها كواحدة من الدول الإفريقية التي تتحمل مسؤولياتها كاملة، مع تقديم ضمانات أمنية و عوامل استقرار لجيرانها، وللمجموعة الإفريقية وللعالم أجمع. ويُشهَد لها بهذا الواجب التاريخي باعتبارها “قبلة للأحرار والثوار” وملاذًا للشعوب التواقة إلى السلم والحرية، مثلما يُشاد بتمسكها الثابت بمبادئ الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

واليوم، تبني جزائر الرئيس عبد المجيد تبون ونيجر الجنرال عبد الرحمن تياني علاقاتهما على ركائز متينة من الأخوة، والوحدة، والتضامن، وهي روابط ما فتأت تترسخ منذ استقلال البلدين. وقد بلغت هذه العلاقات اليوم مرحلة استراتيجية كبرى تعكس حيوية وازدهار التبادلات الثنائية، في ديناميكية باتت تشمل قطاعات حيوية بارزة: كالمشروعات الكبرى، والطاقة، والصحة، والأشغال العمومية، والتعليم العالي، والصناعة، والمؤسسات الناشئة، والبيئة، والنفط، والإعلام، والتجارة.

 

دبلوماسية نشطة قائمة على الحكمة والتهدئة

عندما تصل الدولة إلى مرحلة النضج والمسؤولية الجيوسياسية، فإنها تأخذ في حسبانها بكامل الوعي والتبصّر نقاط ضعف جيرانها وشركائها، ومكامن قوتهم، والفرص المتاحة أمامهم. لذا، لا تستهدف مبادراتها أبدًا التضييق أو الإهانة، فضلًا عن الإخضاع، بل تروم بث الطمأنينة. وإن واقع العلاقات بين الجزائر والنيجر ليس مجرد محطة تاريخية عابرة، بل هو رصيد زاخر بالدروس، يفرض نفسه كنموذج ملهم للقارة بأسرها.

هذا الموقف الذي يبعث على الأمان يستمد جذوره من عمق التاريخ؛ فعندما يرفض شعبٌ ما الخنوع والاستعباد، فإنه يختار طريق المقاومة، ويُنجب قادةً يتحلون بالمسؤولية والاعتزاز. وفي هذا الصدد، يظل مسار الأمير عبد القادر أحد أعظم الرموز العالمية للتسامح، والإنسانية، والسلام.

واليوم، يتردد صدى هذا الإرث الذي يحمله القادة الجزائريون بكل فخر، ليحاكي دقات طبول “شجرة الحوار والنقاش” الإفريقية (l’arbre à palabre)؛ ذلك الفضاء التقليدي للالتقاء حيث يجتمع الرجال والنساء تحت ظلال الشجرة لتسوية الخلافات سلميًا. لذا، فإن قدرة صناع القرار في الجزائر على النأي بأنفسهم عن الاضطرابات والهزات التي يعرفها هذا العصر لا تفاجئ العقول المتبصرة. ومؤخرًا، وظفت الدبلوماسية الجزائرية بكل حنكة وبراعة خبرتها الطويلة لتبديد سوء الفهم الذي شاب العلاقات مع مالي، مبرهنةً بذلك على نضجها وإرادتها الراسخة في الحفاظ على التضامن الإقليمي. وقد أشادت دول تحالف دول الساحل (AES) بموقف هذا “الشقيق الأكبر” الذي يتقن جمع أقرانه حول أهداف مشتركة.

إن تاريخ الشعب الجزائري قد جاد برجال ونساء استثنائيين، ورّثوا الأجيال القادمة أملًا مستدامًا. فقد كان الأمير عبد القادر، قبل كل شيء، بانيًا لجسور الانسجام بين الشعوب، مؤمنًا بأن العقيدة الحقّة تتجلى في قيم اللطف، والبر، واحترام الآخر.
هذا الاحترام المتبادل يمثل الشاهد التاريخي الذي ختم عهد الاتحاد بين الشعبين تحت رئاسة كل من هواري بومدين في الجزائر و”سيني كونتشي” في النيجر. وقد توطدت هذه الأخوة العابرة للصحراء حول المبدأ الأساسي المتمثل في قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، ودعم التآزر المتبادل بين الأمم الإفريقية.

وجدير بالذكر أن الجذور المعاصرة لهذه العلاقات التي تعود الى حرب لتحرير الجزائرية (1954-1962) قد صيغت في اطار التضامن المناهض للاستعمار؛ إذ أتاح الجوار الجغرافي والحدودي لسكان شمال النيجر وجنوب الجزائر الحفاظ على تبادلات إنسانية ومادية مستمرة، مما سهّل التعبير الملموس عن التآزر الإفريقي. ومنذ استعادة الجزائر لسيادتها الوطنية عام 1962، تمخضت هذه الركيزة الدبلوماسية عن علاقات رسمية مستقرة، رصينة، ومستدامة. وبناءً على ذلك، تؤكد الجزائر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مكانتها كشريك مثالي وبلد شقيق يبدي وفاءً لافتا لعلاقاتها الأخوية تجاه النيجر.

إنجازات ملموسة في خدمة التعاون “جنوب – جنوب”

تشهد العلاقات بين نيامي والجزائر ديناميكية نشطة ومتواصلة، تحركها إرادة سياسية مشتركة لترسيخ شراكة قائمة على السيادة، والثقة، والاحترام المتبادل. وفي كل من الجزائر ونيامي، تُشيد السلطات بالوتيرة المتصاعدة التي يعرفها التعاون الثنائي، والتي تتجسد في تقدم ملموس وإنجازات كبرى:
• البنية التحتية والطاقة : يمثل إنجاز محطة توليد الكهرباء بقدرة 40 ميغاوات في نيامي، وفي وقت قياسي، أحد الأدلّة الأكثر ملموسية على هذا الالتزام. ويضاف إلى ذلك إيصال معدات طبية وأجهزة بحث متطورة إلى أغاديز (Agadez)، وتحديث المحاور الطرقية (لا سيما الطريق العابر للصحراء)، فضلًا عن رفع حصة المنح الدراسية المخصصة للطلبة النيجريين.
• المحروقات والشراكة الصناعية : في قطاع النفط، يعكس استغلال حوض “كافرا” عزم النيجر على تثمين مواردها مع تنويع شراكاتها. ويشكل بدء التعاملات التجارية وفق صيغة (FOB) بين الشركة النيجرية للنفط (SONIDEP) ومجموعة “سوناطراك” الجزائريّة محطة مفصلية في تحقيق التكامل بين الشركتين الوطنيتين، مدعومًا بمرافقة تقنية تشمل (التكرير، نقل التكنولوجيا، التكوين، والدراسات الجيولوجية).
• التكامل الإقليمي : يظل المشروع الضخم لأنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي سيربط نيجيريا بأوروبا مرورًا بالنيجر والجزائر، العمود الفقري لهذه الرؤية المشتركة في مجال التكامل الطاقوي والتنمية الاقتصادية القارية.

تعاون أمني بأبعاد استراتيجية

يتجاوز التعاون بين نيامي والجزائر الشقين الاقتصادي والاجتماعي ليمتد إلى المجال الأمني، وهو أمر لا مناص عنه في سياق إقليمي يتسم باستمرار التهديدات الإرهابية وإعادة تشكيل موازين القوى في منطقة الساحل.

وقد تجسد هذا التضامن الأمني، على وجه الخصوص، في تحليق أربع مقاتلات من طراز “سوخوي” رفقة طائرة تموين بالوقود بعيدة المدى في أجواء نيامي، للمشاركة في مهام دورية خلال محطات حرجة مرتبطة بمحاولات زعزعة الاستقرار.

بعيدًا عن الأثر العملياتي، فإن هذا الحضور يعكس حجم الثقة المتبادلة بين الدولتين وعزمهما على تأمين فضائهما المشترك. ويواكب ذلك تعزيز مباشر لقدرات القوات النيجرية، تمثّل في تسليم نيامي أربع مروحيات قتالية، اثنتان من طراز Mi-24V واثنتان من طراز Mi-171، مرفقة بكامل معداتها اللوجستية وذخائرها.

هذا الزخم المتصاعد يمنح محور نيامي – الجزائر بعدًا استراتيجيًا بالغ الأهمية؛ فهو يبرهن على نجاعة شراكة قادرة على الاستجابة الفورية لمتطلبات التنمية، الأمن، والسيادة في آن واحد. فمن الطاقة إلى الدفاع، تصيغ النيجر والجزائر نموذجًا يحتذى به في التعاون “جنوب – جنوب”، قائمًا على تثمين الموارد والكفاءات الإفريقية لخدمة السلم والاستقرار القاري.

*سيرة ذاتية مختصرة لأماني موكايلا:
أماني موكايلا بوريما، صحفي وخبير في مجال الاتصال، يمتلك خبرة مهنية تتجاوز 20 عامًا في قطاع الإعلام. يشغل منصب مدير نشر أسبوعية “LA SOURCE” (المصدر) منذ عام 2007، ويُعرف أماني موكايلا بشكل خاص بنضاله الملتزم في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان في إفريقيا. وهو عضو في شبكة غرب إفريقية للصحفيين من أجل المياه والنظافة والصرف الصحي (WASH-JN)، وكذا في التحالف الإفريقي لتدقيق الحقائق (African Fact-Checking Alliance)؛ مما يجعله نموذجًا بارزًا للصحفي الملتزم بالقضايا المتعلقة بتنمية القارة. كما يُعدّ من أشد المؤيدين للمحور الاستراتيجي بين نيامي والجزائر، والمدافعين عن الحوار بين دول المنطقة، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في بلدان الساحل.

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام