الأولى الشؤون الديبلوماسية الوطني تحاليل وآراء

الاكاديمية المصرية مايسة خليل لـ”شرشال نيوز”:الجزائر تدافع عن تمثيل أفريقي فعلي في مجلس الأمن و تطالب بنظام دولي أكثر عدلاً

دعا وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف،الأحد، إلى إنهاء الظلم التاريخي المسلط على القارة الإفريقية وتمكينها من التواجد الدائم بحق النقض في مجلس الأمن الدولي.

وتأتي هذه الدعوة خلال كلمته في الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي المنعقد بالعاصمة الليبية طرابلس، حيث أكد أن إصلاح المنظومة الأممية أضحى مسألة عدالة وشرعية ومصداقية للنظام الدولي برمته.

وفي سياق البحث عن دلالات هذا الموقف الذي تتمسك به الجزائر في مختلف المحافل الدبلوماسية، أجرت “شرشال نيوز” اتصالا بالأكاديمية المصرية مايسة خليل، المختصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، التي أكدت في مداخلتها بأن الموقف الجزائري المتجدد بشأن إصلاح مجلس الأمن يعكس إدراكا استراتيجيا للتحولات البنيوية التي يشهدها النظام الدولي، ولا يقتصر على موقف دبلوماسي مرتبط بالمناسبات، مشيرة إلى أن القضية تتجاوز المطالبة بتمثيل أفريقي إلى اختبار قدرة النظام الدولي على تصحيح اختلال تاريخي قائم منذ تأسيس الأمم المتحدة.

مالذي يعنيه غياب أفريقيا في مجلس الأمن ؟

وأوضحت مايسة خليل، أن غياب أفريقيا عن العضوية الدائمة في مجلس الأمن لا يمثل مجرد خلل إجرائي يمكن تجاوزه بتعديلات تقنية، بل يعكس طبيعة موازين القوى الدولية التي تشكلت في ظروف تاريخية محددة، وظلت تحافظ على نفسها وفق منطق المصالح.

وفي ذات السياق،اعتبرت أن إصلاح المجلس يرتبط بإعادة توزيع السلطة في النظام الدولي وتعزيز شرعية القرارات الدولية على أساس التمثيل والعدالة، وليس الاكتفاء بمراجعة عدد المقاعد أو آليات التصويت.

وأضافت الأكاديمية المصرية المتخصصة في العلاقات اللدولية، أن هذا المطلب يكتسب أهميته في ظل التحول من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد المراكز. موضحة بالقول ” لم تعد قوة واحدة قادرة على فرض إرادتها بالشكل الذي كان سائدا في العقود التي أعقبت الحرب الباردة.”

وترى الدكتورة مايسة خليل، أن استمرار غياب أفريقيا عن طاولة القرار الدولي يمثل خللا في بنية النظام ذاته، بالنظر إلى الثقل الديمغرافي والموارد الطبيعية التي تمتلكها القارة، فضلا عن تصاعد التنافس الدولي على أراضيها وممراتها وموانئها.

وشددت على أن المطلوب لا يقتصر على منح أفريقيا مقعدا إضافيا، بل يتمثل في تصحيح معادلة القوة داخل النظام الدولي، بما يسمح للقارة بالمشاركة الفعلية في صناعة القرار، بدل أن تبقى موضوعا للقرارات التي تتخذها القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، أبرزت الدكتورة مايسة خليل، أهمية الدور الجزائري، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجزائر وامتداداته المتوسطية والساحلية والأفريقية، إلى جانب ثقلها السياسي والدبلوماسي وخبرتها في ملفات التحرر والوساطة.

وأشارت إلى أن القارة الأفريقية تواجه تنافسا دوليا متزايدا بين الصين والولايات المتحدة وروسيا وأوروبا ودول الخليج وتركيا والهند، ما يجعل توحيد موقفها وتعزيز تمثيلها داخل مجلس الأمن ضرورة للدفاع عن مصالحها.

الفرق بين التمثيل الرمزي والتمثيل الفعلي لصوت افريقيا

ولفتت إلى أن الفرق بين التمثيل الرمزي والتمثيل الفعلي يكمن في امتلاك أدوات التأثير في القرارات، معتبرة أن جوهر الإصلاح يتمثل في تحويل أفريقيا من متلق للقرارات إلى طرف مشارك في صنعها والحلول المرتبطة بالأزمات الدولية.

وفي السياق ذاته، توقفت المتخصصة في العلاقات الدولية المصرية مايسة خليل، عند وثيقة طرابلس التي اعتمدتها لجنة العشرة في أكتوبر 2026، معتبرة أنها تعكس إصرار الدول الأفريقية على المطالبة بحقها في تمثيل عادل داخل المؤسسات الدولية. وأوضحت أن هذا المسار يستند إلى تراكم من المواقف والمبادرات، بدءا بإعلان سرت عام 2005، مرورا بتوافق إيزولويني في العام نفسه، وصولا إلى وثيقة طرابلس التي جددت التأكيد على المطلب الأفريقي.

وأضافت، بالقول” أن المفارقة تكمن في أن أفريقيا تمثل أكثر من ربع أعضاء الأمم المتحدة، وتتناول أجندة مجلس الأمن أكثر من سبعين في المئة من القضايا المرتبطة بها، في حين لا تمتلك القارة مقعدا دائما داخل المجلس. واعتبرت أن هذه المعطيات تعزز الحجة الأفريقية بشأن ضرورة إصلاح المنظومة الدولية، إذ تتحمل القارة تبعات قرارات لا تشارك بالقدر الكافي في صناعتها”.

وفي المقابل، نبهت الأكاديمية المصرية مايسة خليل، إلى أن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية وسياسية، باعتبار أن إصلاح مجلس الأمن يتطلب تعديل ميثاق الأمم المتحدة، بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، بما في ذلك جميع الأعضاء الدائمين الخمسة. وترى أن هذه الآلية تجعل مسار الإصلاح مرتبطا بمواقف القوى الكبرى التي قد لا ترغب في تقاسم الصلاحيات التي يمنحها لها حق النقض.

وفي هذا الصدد، اعتبرت أن هذه المفارقة تكشف حدود التعويل على إرادة القوى الكبرى وحدها في تصحيح الاختلالات القائمة، مؤكدة ضرورة بناء ضغط دولي منظم، وتشكيل تحالفات عابرة للقارات، وربط إصلاح مجلس الأمن بقضايا الشرعية الدولية والتمثيل العادل.

وفي هذا الإطار، وصفت مايسة خليل، الدور الجزائري بأنه استراتيجي وليس تكتيكيا، موضحة أن الجزائر تتعامل مع المطلب الأفريقي باعتباره جزءا من رؤية أوسع لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، تقوم على جعل القارة فاعلا في صناعة القرار الدولي.

الدور الجزائري في الأزمة الليبية.. مبادئ ثابتة ومساع للحل السياسـي

كما أبرزت أن الموقف الجزائري يجمع بين الثبات على مبدأ التمثيل الدائم لأفريقيا والمرونة في التعامل مع الصيغ الإصلاحية المتدرجة القابلة للتنفيذ، دون التخلي عن جوهر المطلب.

ولفتت المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، إلى أن الدور الجزائري لا يقتصر على المحافل الأممية، بل يمتد إلى الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الأزمة الليبية.

وأشارت إلى مشاركة الجزائر في الاجتماع الوزاري الرابع لآلية دول الجوار الليبي بالقاهرة في مايو 2026، إلى جانب مصر وتونس.

منوهة الى ما أكده المشاركون، قائلة “حيث أكد المشاركون أن الحل السياسي بقيادة ليبية خالصة يمثل السبيل لإنهاء الأزمة، مع رفض التدخلات الخارجية والدعوة إلى سحب القوات الأجنبية والمقاتلين والمرتزقة من الأراضي الليبية ضمن إطار زمني محدد.”

وأضافت، أن الإعلان عن استضافة الجزائر الاجتماع المقبل للآلية الثلاثية يعكس الثقة في دورها، معتبرة أن الجزائر لا تكتفي بالدفاع عن المبادئ في المحافل الدولية، بل تسعى إلى ترجمتها إلى مبادرات عملية في الملفات الإقليمية، من خلال الوساطة والحوار ودعم الحلول السياسية.

وفي سياق متصل، أكدت الدكتورة مايسة خليل، أن أهمية الدور الجزائري في ليبيا ترتبط أيضا بالاعتبارات الأمنية والجغرافية، بالنظر إلى الحدود المشتركة بين البلدين، وما يمكن أن يترتب على استمرار الأزمة من انعكاسات على أمن الجزائر واستقرار منطقة الساحل والمغرب العربي.

وأوضحت أن موقف الجزائر يقوم على رفض التدخل الخارجي، ودعم الحل السياسي، والحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها، انطلاقا من قناعة مفادها أن الليبيين وحدهم يملكون حق تقرير مصيرهم.

كما استحضرت المحادثات التي أجراها وزير الخارجية أحمد عطاف في جدة خلال أغسطس (أوت) 2026 مع المكلف بتسيير وزارة الخارجية الليبية، والتي جدد خلالها التأكيد على موقف الجزائر الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، مع التعبير عن القلق إزاء التطورات الأمنية وضرورة تفادي كل ما من شأنه تعميق الانقسام.

وأشارت إلى تثمين الجانب الليبي الدور الجزائري في دعم مسار التسوية السياسية، معتبرة أن هذا الدور يقوم على الوساطة والحوار ودعم المؤسسات الوطنية.

الجزائر تراهن على مسار ثابت لإصلاح مجلس الأمن

وخلصت الأكاديمية المصرية مايسة خليل، إلى أن مطلب إصلاح مجلس الأمن لن يتحقق في وقت قصير، ولن تمنحه القوى الكبرى من تلقاء نفسها، لكنه سيظل حاضرا ويتراكم مع مرور الوقت إلى أن يصبح مطلبا يصعب تجاهله.

وأكدت أن الجزائر تراهن على هذا المسار بثبات، انطلاقا من أن إصلاح النظام الدولي عملية طويلة تتطلب الصبر على المبادئ والعمل المتواصل، من أجل بناء منظومة أكثر عدلا تتيح لأفريقيا المشاركة الفعلية في صناعة القرارات الدولية.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام