أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الأمن الغذائي في الجزائر يجب أن يُفهم ضمن منظومة متكاملة تبدأ من الماء والأرض والمدخلات، وتمر عبر الإنتاج والتحويل والتخزين والنقل، وتنتهي عند المستهلك والتصدير، مشيرًا إلى أن أي خلل في إحدى هذه الحلقات ينعكس على بقية المنظومة.
وأوضح الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في حديثه لـ”شرشال نيوز”، حول أهمية الأمن الغذائي وعلاقته بالاقتصاد الشامل، أن الغذاء لم يعد مجرد قضية تموين، بل أصبح مرتبطًا بالمياه والطاقة والإنتاج والاستثمار وسلاسل الإمداد، فالبلد الذي يريد تأمين غذائه لا يكفيه أن يضمن توفر السلع في الأسواق، بل عليه أن يضمن أيضًا القدرة على إنتاجها واستمرار تموين منظومتها الإنتاجية.
وأشار الأستاذ تيغرسي إلى أن الأمن الغذائي لا يعني بالضرورة السعي إلى إنتاج كل شيء محليًا مهما كانت التكلفة، فالاقتصاد الحديث يقوم على التخصص والاستفادة من المزايا النسبية، ولذلك، حسبه، ينبغي التمييز بين المنتجات التي تستطيع الجزائر إنتاجها بكفاءة، والمنتجات التي يكون استيرادها أكثر عقلانية، وتلك التي يمكن تحويلها تدريجيًا من واردات إلى إنتاج محلي، قائلًا: “إن المطلوب ليس إلغاء الاستيراد، وإنما جعله خادمًا للإنتاج والاستثمار بدلًا من أن يكون بديلًا عنهما”.
وفي هذا الصدد، أشار الخبير الاقتصادي إلى أهمية طريقة تنظيم الواردات، قائلًا: “إذ ليس كل استيراد يحمل القيمة الاقتصادية نفسها، فهناك واردات استهلاكية يمكن تقليصها عندما تتوفر البدائل المحلية، مقابل واردات أخرى تتمثل في الآلات والتجهيزات والمواد الأولية والمدخلات التي تحتاجها المصانع والفلاحة”.
وأضاف “فإن ترشيد الاستيراد يجب أن يفرق بوضوح بين الواردات التي تستنزف العملة الصعبة والواردات التي تبني القدرة الإنتاجية”.
المشكل ليس في وفرة المياه
وأوضح الخبير الاقتصادي أن التحدي اليوم في القطاع الزراعي لا يتعلق فقط بتوفير كميات إضافية من المياه، وإنما برفع إنتاجية كل متر مكعب، قائلًا “فالسياسة الزراعية الحديثة يجب أن تقيس ليس فقط كمية المياه الموجهة إلى الأرض، وإنما القيمة الاقتصادية والإنتاجية التي يتم تحقيقها بواسطتها”.
وأضاف”هنا تبرز أهمية الري الحديث، وتقليص ضياع المياه، وإعادة استعمال المياه المعالجة، واختيار الزراعات التي تتلاءم مع طبيعة الموارد المائية والمناخية لكل منطقة”.
كما لفت الأستاذ هواري تيغرسي إلى نقطة مهمة، وهي توفر تحلية مياه البحر في الجزائر، قائلًا “وتوفر تحلية مياه البحر للجزائر فرصة استراتيجية مهمة، خاصة مع امتلاكها موارد طاقوية كبيرة”، إلا أنه في الوقت ذاته شدد على أنه لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة عن الاقتصاد، فقيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول المياه إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.
وفي هذا الصدد، يذكر بأن الاستثمار في الماء يجب أن يرتبط بالاستثمار في الزراعة والصناعة والخدمات، حتى تتحول تكلفة توفير المياه إلى قدرة اقتصادية جديدة، وليس مجرد إنفاق إضافي.
ثلاثية الأمن..الماء و الغذاء و اللطاقة
ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أنه من هنا تتداخل ثلاثة ملفات أساسية، هي الأمن المائي والأمن الغذائي والأمن الطاقوي.
فالطاقة، حسبه، تساعد على إنتاج المياه، والمياه تدعم الإنتاج الزراعي والصناعي، والإنتاج يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويخلق فرصًا للتصدير.
وأضاف قائلا “وإذا أضيف إلى ذلك تطوير اللوجستيك والتخزين والتحويل، فإن الجزائر تستطيع الانتقال تدريجيًا من منطق تأمين السوق إلى منطق بناء منظومة إنتاجية أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.”
وفي سياق متصل، قال تيغرسي “إن طبيعة التحديات تغيرت منذ 2022، لكن جوهر السؤال بقي قائمًا، إذ لم يعد النقاش يتعلق بالغذاء والماء فقط، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بالاستثمار وتنظيم الاستيراد والمواد الأولية والصناعة واللوجستيك والرقمنة والعملة الصعبة”.
وفي السياق ذاته، أضاف الخبير الاقتصادي قائلًا “وهذه الملفات لا يمكن أن تدار كل واحدة بمعزل عن الأخرى، لأن القرار المتخذ في قطاع يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على قطاعات أخرى”.
الإنتاج محور السياسات الاقتصادية
ولذلك، حسبه، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية تجعل الإنتاج نقطة الالتقاء بين مختلف السياسات الاقتصادية، بحيث يخدم ترشيد الاستيراد الإنتاج، ويعالج الاستثمار فجوات الإنتاج، وتدعم السياسة المائية القطاعات ذات القيمة المضافة، وتقلل السياسة الصناعية الاعتماد على الخارج في المدخلات التي يمكن إنتاجها محليًا.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى التأكيد على أن الأمن الغذائي لا يبدأ عند رفوف المتاجر، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير “في الماء، وفي الأرض، وفي المصنع، وفي المزرعة، وفي الميناء، وفي منظومة التمويل والاستثمار”.
وأضاف قائلًا “إن السيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق أمام العالم، بل امتلاك القدرة على الاختيار، فالاستيراد الذي يبني الإنتاج ليس كالاستيراد الذي يعوض غيابه، والماء الذي يخلق قيمة مضافة ليس كالمال الذي ينفق دون مردودية”.
وبين الاثنين، حسبه، تتحدد قدرة الجزائر على الانتقال من اقتصاد يؤمّن احتياجاته إلى اقتصاد ينتج، ويحوّل، وينافس ويصدّر.
مهدي الباز




