تشير جملة المؤشرات المتزامنة التي شهدتها منطقة الساحل خلال الأيام الأخيرة إلى أن الجزائر بصدد تنفيذ مقاربة استراتيجية متعدّدة المستويات لإعادة تشكيل بيئتها الأمنية الإقليمية جنوباً، في سياق إقليمي يتّسم بتراجع فعالية المنظومات الأمنية التقليدية، وتنامي التهديدات غير المتماثلة، واتساع نطاق التنافس الجيوسياسي على الفضاء الساحلي.
فعملية استلام الرعية الألماني المختطف، والاتصال السياسي رفيع المستوى مع السلطات المالية، وتسليم هبة عسكرية نوعية للجيش النيجري، لا تمثّل أحداثاً منفصلة، بل تشكّل حلقات مترابطة ضمن هندسة استراتيجية متكاملة تستهدف استعادة التوازنات الأمنية في العمق الإفريقي الحيوي للجزائر.
الاختراق الاستخباراتي وفاعلية الذراع الميداني
تكشف عملية تحرير الرعية الألماني في بعدها العملياتي عن امتلاك الجزائر لقدرات متقدّمة في مجال العمل الاستخباراتي العابر للحدود، سواء على مستوى جمع المعلومات البشرية والاستخبارات الميدانية أو على مستوى إدارة قنوات الاتصال والتنسيق مع الفاعلين المحليين والإقليميين.
فالنجاح في الوصول إلى رهينة أجنبي داخل واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في الساحل لا يعكس فقط كفاءة عملياتية، بل يؤكّد وجود منظومة إنذار واستشعار استخباراتي فعالة وقدرة على النفاذ إلى مناطق النفوذ التي تنشط فيها الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة. كما أن العملية تحمل بعداً ردعياً ورسالة استراتيجية مفادها أن الجزائر تمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث داخل المجال الساحلي، وأنها لا تزال تحتفظ بأصول استخباراتية وشبكات نفوذ ميداني قادرة على إنتاج نتائج ملموسة في بيئة تتسم بدرجة عالية من السيولة الأمنية.
مالي والنيجر: إعادة بناء الشراكة والعمق الاستباقي
أما الاتصال الذي جرى بين الوزير الأول سيفي غريب ورئيس حكومة مالي فيكتسب أهمية تتجاوز بعده الدبلوماسي المباشر، لأنه يعكس بداية إعادة بناء منظومة التنسيق السياسي والأمني بين دولتين تمثلان محوراً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي. ويمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها انتقالاً من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إعادة هندسة العلاقة الاستراتيجية وفق مقتضيات الواقع الأمني الجديد؛ فالسلطات المالية باتت تدرك أن الجغرافيا السياسية تفرض عليها التعامل مع الجزائر باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على المساهمة في إدارة التحديات المعقدة، بينما تدرك الجزائر أن استقرار مالي أصبح مكوناً عضوياً من مكونات أمنها القومي الممتد.
في المقابل، تأتي الهبة العسكرية الموجهة إلى الجيش النيجري لتؤكد أن الجزائر انتقلت من مرحلة المقاربة الدفاعية القائمة على تحصين الحدود إلى مرحلة بناء عمق أمني استباقي خارج حدودها المباشرة. فالمروحيات والتجهيزات العسكرية الممنوحة للنيجر تشكّل استثماراً مباشراً في رفع الجاهزية العملياتية للقوات النيجيرية وتعزيز قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والتدخّل السريع. وفي العلوم العسكرية الحديثة، يعد تمكين الجيوش الصديقة من وسائل الحركة الجوية والمراقبة أحد أهم أدوات صناعة الأمن الإقليمي وتقاسم أعباء المواجهة ضد التهديدات العابرة للحدود.
إدارة العمق الاستراتيجي المتقدّم وإنتاج الأمن
وعند الربط بين هذه التطوّرات، يتّضح أن الجزائر بصدد تطبيق ما يمكن وصفه باستراتيجية “إدارة العمق الاستراتيجي المتقدّم”، وهي مقاربة تقوم على منع تشكّل بؤر تهديد بالقرب من الحدود الوطنية عبر العمل على تثبيت الاستقرار داخل الفضاءات المجاورة قبل انتقال المخاطر إلى الداخل الوطني. فبدلاً من انتظار وصول التهديدات إلى الحدود، يتمّ التعامل معها في مناطق نشأتها عبر توظيف مزيج من أدوات القوة الصلبة والقوة الذكية، بما يشمل العمل الاستخباراتي، والتأثير الدبلوماسي، وبناء القدرات العسكرية للشركاء الإقليميين.
كما تكشف هذه التحرّكات عن عودة الجزائر إلى موقع المنتج للأمن الإقليمي وليس المستهلك له. فخلال السنوات الماضية، انصبّ الجهد أساساً على احتواء التداعيات الأمنية القادمة من الساحل، أما اليوم فتبدو الجزائر وكأنها تنتقل إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية وصناعة الوقائع الأمنية والسياسية على الأرض؛ وهو تحوّل يعكس ثقة متزايدة في القدرات الوطنية ورغبة واضحة في منع القوى الخارجية من احتكار إدارة الملفات الأمنية في المنطقة.
نحو معمار أمني إقليمي جديد
الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها هي أنّ الجزائر شرعت في إعادة تثبيت مكانتها باعتبارها القوة المحورية الأكثر توازناً وتأثيراً في الساحل الإفريقي. فعملية تحرير الرهينة أبرزت فعالية الذراع الاستخباراتية، والتقارب مع باماكو أعاد تنشيط الذراع الدبلوماسية، والدعم العسكري للنيجر فعّل الذراع العملياتية. وعندما تتحرّك هذه الأبعاد الثلاثة بصورة متزامنة، فإننا لا نكون أمام ردود أفعال ظرفية، بل أمام عقيدة استراتيجية قيد التشكّل هدفها إعادة صياغة البيئة الأمنية للساحل.
في هذا السياق، لا تبدو الجزائر وكأنها تستعيد حضورها في الساحل فحسب، بل تعمل على إعادة بناء معمار أمني إقليمي جديد تكون فيه شريكاً مقرّراً في إنتاج الأمن، ومركز ثقل في إدارة الأزمات، وقوة توازن قادرة على التأثير في اتجاهات المشهد الجيوسياسي الممتد من المتوسّط إلى أعماق غرب إفريقيا.
الدكتور أحمد ميزاب




