الأولى الدولي الوطني كتاب شرشال نيوز
✒️ قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز بقلم د.حسام البقيعي مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز رع للدراسات الاستراتيجية

ليبيا بين الأمة والدولة

الأمة فى سياق العلوم السياسية هى جماعة متخَيلة,يتخيل أعضائها وجود رابطة تجمعهم وتجعلوهم يتماهون فى كيان واحد ممتد تاريخياً وجغرافياً,مع توفر العناصر السوسيولوجية فى الأرض الجغرافية والسياسة الموحدة والذاكرة التاريخية المشتركة مع إرادة للعيش المشترك لتأسيس مستقبل جماعى.

أما مصطلح الدولة يشير فى أبسط معانيه إلى التأسيس الهيكلى والمؤسساتى الصلب للمؤسسات التى تتكون منها الدولة,مثل الجيش والأجهزة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الخدمة المدنية والبيروقراطية,ويلاصق ذلك مصطلح كينونة الأمة وكينونة الدولة الذى يتجاوز وجود المؤسسات إلى حسم التوافق المؤسسى حول حدود الدولة الجغرافية وهويتها السياسية ومن هم مواطنوها الملتزمة بحمايتهم وتمثيلهم وغياب تلك العناصر تجهض أى مسار لاحق نحو الإستقرارالمؤسسى مهما بلغت صلابة المؤسسات,ويتحول هذا الوصف إلى مصدر مشروعية وجدانية تمنح الدولة روحاً يمتثل لها المواطن طوعاً لا خوفاً من العقاب وحده وبدون ذلك فالدولة عرضه لأن تتغلب الولاءات دون الوطنيةبكافة أشكالها على الولاء الوطنى .

والكيان الحديث تأسس فى الرابع العشرين من ديسمبر عام 1951 كمملكة دستورية إتحادية فى سياق إستثنائى حتى بمعايير الشرق الأوسط, وتم رسمه من خلال مفاوضات هندسية مصطنعة بين القوى الإمبريالية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا دون مراعاة للبنية السيولوجية والامتدادات الطبيعة للقبائل,مما أورث ليبيا حدوداً مسمومة,حيث قبائل التبو والطوارق تم تقسيمهم هندسياً بين جغرافية ليبيا والنيجر والجزائر وتشاد مما تسب فى حرمانهم التاريخى من شروط المواطنة الكاملة,وتم  تهميشهم فى عصر الجماهيرية تحت مسمى عناصر أفريقية عابرة للحدود,مما نتج عنه فراغاً سيادياً وهوياتياً ملموساً برزت تداعياته الكارثية بالإنفجارالمسلح وسيطرة هذة الجماعات على منافذ الحدود وتهريب النفط فى الجنوب عقب2011,وفى الشرق مارست قبائل برقة اتصالاً سوسيو_ثقافياً عابراً للحدود مع إمتدادتها فى مصر وتونس مما منح الأفراد مرونة إجتماعية واقتصادية هائلة جعلت من سيادة الدولة المركزية والحدود الهندسية أمراً ثانوياً بل هامشياً,فقد ارتكز على الشرعية الدينية والروحية والمصداقية التاريخية للطريقة السنوسية,التى عانت مأزق بنيوى وجوهرى تمثل فى عدم تجانس نفوذ السونسية جغرافياً على مستوى الإقليم الليبى بل إنحصر فى إقليم برقة وقبائل السعادى والواحات الجنوبية,فى الوقت الذى واجه هذا التأسيس معارضة من النخب الحضرية والقومية الصاعدة فى إقليم طرابلس,والتى كانت تفضل الدولة الجمهورية المركزية,مما جعل الوعى بالهوية الوطنية عند التأسيس وعياً هشاً وكامناً,تم إحتوائه عبر سياسات تحالفية زبائنية ريعية مع شيوخ القبائل,وضاع على ليبيا فى مرحلة تأسيس الدولة رابطة الشعور المشترك بالألام والذاكرة الجمعية الليبية التى عمت أرجاءالجغرافية الليبية,والتى نتجت عن استشهاد ما يقرب من نصف سكان إقليم برقة وإبادة جماعات برمتها وتهجير الألاف فى معسكرات الإعتقال التى قام بها الإحتلال الإيطالى فى الفترة من 1911حتى عام 1943,والتى نجحت فى خلق ضمير تاريخى مشترك وعاطفة وطنية تراكمية صهرت الليبين من كافة الأقاليم والقبائل فى جبهة شعورية ووجدانية واحدة وقدمت الدليل العلمى على كذب الرويات الإستعمارية التى كانت تصور ليبيا كفضاء بدوٍ مفكك خالى من أى مضمون سياسى أو هوية وطنية موحدة,لذا تعرضت للإجهاد المتعمد والممنهج والمستمر,

ومع نظام العقيد معمر القذافى وثورة الفاتح من سبتمبر1969جرى توظيف الفترة الاستعمارية لشرعنة النظام الجديد وتهميش الذاكرة الملكية وتصفية الخصوم وحاول نظام القذافى صياغة هوية مشتركة قسراً,كرس الفراغ المؤسسى وهشاشة الإنتماء السلوكى وبقاء عناصر الوطنية الجامعة فى حالة كمون سوسيولوجى مستمر.

وعند بداية أحداث 17 فبراير 2011 لاحت فرصة تاريخية أخرى حيث كانت فرصة نادرة لإعادة تفعيل الأمة المتخيلة وبنائها على أسس وطنية تشاركية حية,نتيجة التآخى الشعبى العارم وتضامن المدن والأقاليم فى اللحظات الأولى من الإنتفاضة تم كسر جدار العزلة والحالة القبيلة والجهوية,واستدعى الليبيون رموز الجهاد الوطنى كعمر المختاروالدستور الإتحادى العام 1951 كرموز توحيدية للتحرر وبناء عقد إجتماعى جديد,ومرة أخرى أدى التدخل العسكرى الخارجى لحف الناتو بموجب القرار 1973 مما أدى إلى سقوط النظام وانهيار شامل لكافة البنى الأمنية والإدارية وحّول هذة اللحظة التاريخية إلى أزمة وجودية معقدة,حيث غابت الدولة وعجزت الحكومات الإنتقالية الهشة عن توفير الحماية والحد الأدنى من الخدمات وإرتد المجتمع الليبيى نحو هوياته الفرعية الحامية (القبيلة,الجهة,المليشيا),وتحولت الجغرافيا الليبية إلى إقطاعات محلية مسلحة تسيطر على الحدود وتهريب النفط مما جعل محاولة تأسيس أى رابطة وطنية جامعة أمراً صعباً من الناحية الوطنية طالما بقيت هذة المجموعات تسيطر على السلاح والمال بمباركة البنك المركزى والمؤسسة الوطنية للنفط التى تدفع مرتبات تلك المجموعات المتناحرة لضمان استمرار استخراج النفط .

وفشل نموذج الأمة الدولة حيث حاولت النخب فى العهد الملكى السنوسى ومن بعدها وبصورة أشد شمولية وسلطوية نخب عهد الجماهيرية فرض سردية وهوية أحادية تجانسية تركز على القومية العربية والمضمون الدينى الأحادى متجاهلة خصوصيات المكونات غير العربية كالأمازيغ والطوارق والتبو,مما تسبب فى تغذية مشاعر الإقصاء والحرمان الهوياتى البالغ فى الأطراف الجغرافية والإجتماعية الليبية,

أما الدولة الأمة التى تستوعب التعددية الإجتماعية والثقافية عبر ترتيبات دستورية وجغرافية مرنة لا مركزية عادلة لبناء هويات سياسية متعدد ومتداخلة لكنها متكاملة وغير متنافسة تلتف حولاء ولاء وطنى,ويمثل ذلك مساراً ضرورياً لنجاح عملية بناء الدولة فى البيئات التعددية,ولكنه يتطلب تماهى وجدانى إجابى مع مفهوم الدولة ومؤسساتهاوكذلك وجود هويات متعددة متكاملة وغير متنافسة,كما يتطلب ثقة فى مؤسسات الدولة من خلال عدالة ونزاهة السلطة القضائية والمؤسسة العسكرية وجهاز الشرطة والبروقراطية المدنية وتمثيل عادل لكل المكونات والشعور بعدم الاقصاء,وأخيراً دعم العملية الديمقراطية كخيار وحيد لتنظيم الصراع.

ولا يتوفر فى الحالة الليبية سوى الشعور بالهوية الليبية والإلتزام الراسخ بوحدة البلاد الإقليمية ذلك الشور الذى قاوم محاولات التقسيم التى تعرضت لها ليبيا من 2011 وحتى الأن.

قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز

 

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام