غزّة تَفقأُ عيون إعلام الغرب

أبان الإعلام الغربي عن وجهه الحقيقي، مثلما أبانت الديمقراطيات الغربية عن مضمونها المتجذّر في أفكار العصور الوسطى والمشبّع بالفكر الكولونيالي، وسقطت عنه كلّ ألحان الحرية والموضوعية. فبأحادية غير مسبوقة أدارت وسائل الإعلام الغربية ظهرها عن حقائق الدمار والقتل الوحشي للأطفال والنساء في غزّة.

اتّفقت كل وسائل إعلام الدول الموصوفة بالديمقراطية على خطّ افتتاحي واحد هو الرّكض على جُثث القتلى دون تمييز إن كانت الجُثث لأطفال أو شيوخ أو نساء وعجائز من أجل البكاء على جريح صهيوني، وتجريم المدافعين عن أرضهم ووطنهم.

الحرب في غزّة هي حرب تحرّر من استعمار غاشم، أقرّها التاريخ وأقرّتها المواثيق الدولية، فأرض غزّة هي أرض الفلسطينيين، فمن اعتدى عليها فإنّما على حقّ غيره قد اعتدى فهو الظالم المُعتدي، مهما حاول ايجاد الذرائع والمبرّرات. لكن حين تعلّق الأمر بالمحتل الصهيوني هرولت كلّ وسائل الإعلام الغربية إلى مساندته ومنحه الحقّ في الدفاع على نفسه… سقط العشرات من أبناء الشعب الفلسطيني.. فالمئات والآلاف ولا تزال الآلة الإعلامية الغربية صامتة عن القتل المُتعجرف.. تُقصَف الأحياء السكنية الآمنة ولا تزال صامتة، ثم يُقصف مستشفى فتبحث عن أكاذيب لإدارة ظهرها عن جثث القتلى المرضى سابقا الذين تُجمِع كلّ القيّم البشرية وحتى قوانين الحرب وأعرافها عن تحريم وتجريم المساس بها.

ولم يكتف إعلام الغرب بهذا، بل أدار وجهه أيضا على أبناء شعوبهم المحتجين ضدّ أنظمتهم الغاشمة، حيث لم يولي أهمية لمئات المسيرات الاحتجاجية المُندّدة بمواقف بلدانهم الداعمة للقتل الهمجي في غزّة. ومِن المسيرات مَن مرّت على نوافذ قاعات التحرير، لكنّ الصمّ والعُمي أصاب المُحرّرين والصحفيين الذين ظلوا دوما يردّدون شعارات الحرية ويهتفون بالديمقراطية، ولما تعلّق الأمر بجرائم ضد الإنسانية تُرتكب في حق عرب مسلمين ضلّوا عن المهنية والموضوعية.

ويعدّ هذا التوجّه ضلال وتضليل إعلامي غير مسبوق ينحدر إلى خندق الجريمة، فالقوانين كلّها تُجمع على إدانة التستّر عن الجريمة، وتتّهم مُقترفُوها بالمشاركة في الجريمة، وبالتالي فمن البديهي إدانة الإعلام الغربي بمُجرم حرب.

ومن جهتها، أطبقت منظمات حرية التعبير سواء المسماة بغير الحكومية أو التابعة للهيئات الدولية عن هذا التعتيم الإعلامي الذي يغتال الحقيقة التي طالما ظلّت تدّعي الدفاع عنها، وتحشر أنفها حتى حين يقترف صحفي في الجزائر أو في أيّ دولة عربية جُرما يندرج في الحق العام، إلا أنّها تنوء بجلدها حين يتعلّق الأمر بالانحياز إلى قتلة الأطفال في المستشفيات، فالممارسات التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربية زادت الوضع في غزّة تأزما، لكنّها، وفي الأخير،  تُسقط أقنعتها وتكشف أنّها ليست سوى أبواق للمجرمين، وتلك المنظمات ليست سوى دركي بصفارة صَدِئة ورثها من زمن الاستعمار.

وليد بحري

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى