الأولى الاقتصادي الوطني

الجزائر تدخل سباق رأس المال الاستكشافي في إفريقيا.. كيب تاون تفتح جولة جديدة على المستثمرين

تدخل الجزائر أسبوع الطاقة الإفريقي في كيب تاون وهي لا تعرض مجرد مساحات جديدة للحفر، بل تحاول تثبيت موقعها ضمن الوجهات الإفريقية القادرة على تحويل رأس المال الاستكشافي إلى عقود وإنتاج فعلي.

فبعد نجاح الجولة السابقة في إسناد خمس رقع من أصل ست، تنقل «ألنفط» جولة 2026 إلى واحدة من أكبر منصات الطاقة في القارة، مستندة إلى أحواض منتجة، وشبكة نقل ومعالجة قائمة، وسجل تعاقدي حديث مع شركات دولية كبرى.

وتبدأ هذه المرحلة الجديدة غدًا الاثنين ضمن «African Energy Week 2026»، حيث تخصص الفعالية جلسة لعرض الفرص الجزائرية أمام شركات الاستكشاف والإنتاج، ومؤسسات التمويل، ومقدمي الخدمات النفطية، في وقت تتنافس فيه عدة دول إفريقية على الميزانيات نفسها المخصصة للبحث عن النفط والغاز.

هذا و ان فإن حضور الجزائر في كيب تاون يأتي مباشرة بعد «ناباك» بوهران، لكنه يحمل وظيفة مختلفة. فالمحطة الجزائرية أتاحت تقديم مستجدات الجولة داخل السوق المحلية، بينما تمنح كيب تاون «ألنفط» فرصة لعرض الرقع أمام قاعدة أوسع من المشغلين الدوليين الذين يقارنون في الوقت نفسه بين فرص استثمارية من بلدان إفريقية متعددة.

ويضم المعرض أكثر من 9000 مشارك من أكثر من 100 دولة، إلى جانب منصة «Deal Room» التي صممت لربط الحكومات وأصحاب المشاريع بالمستثمرين والممولين، ما يجعل الحضور الجزائري جزءًا من منافسة مباشرة على رؤوس الأموال المخصصة لأنشطة المنبع.

وتعرض الجزائر سبع رقع برية هي إليزي وسط 1، المزايد شمال، البرمة 2، شرق برج عمر إدريس 1، الحجيرة 3، البنود شرق وتقرت جنوب، موزعة على مناطق تضم أحواضًا معروفة بنشاط المحروقات مثل إليزي وبركين ووادي مية.

وتمنح طبيعة هذه المواقع الجزائر نقطة قوة مهمة في التنافس على المستثمرين، إذ لا يجري عرض الفرص داخل أقاليم معزولة عن النشاط النفطي، بل في مناطق تتوفر فيها معرفة جيولوجية متراكمة وبنية قائمة للنقل والمعالجة والخدمات.

وهذا العامل له أثر اقتصادي مباشر على قرار الشركة، لأن تكلفة اكتشاف تجاري لا تتوقف عند حفر البئر، بل تشمل أيضًا كيفية ربط الإنتاج بالشبكة، ونقله ومعالجته وتسويقه. وكلما اقتربت الرقعة من بنية قائمة، انخفضت الاستثمارات الإضافية اللازمة لتحويل الاكتشاف إلى إنتاج.

*الجزائر تعرض شروطًا لا مجرد مساحات*

وتقوم جولة 2026 على ست رقع بصيغة تقاسم الإنتاج، مقابل رقعة واحدة بصيغة المشاركة، بما يمنح الشركات خيارات تعاقدية مختلفة بحسب طبيعة المشروع والمخاطر التي ترغب في تحملها.

كما لا يقتصر تقييم العروض على المقابل المالي، بل يشمل عدد الآبار التي تلتزم الشركة بحفرها، والمساحات التي ستغطيها عمليات المسح الزلزالي، ونوعية الدراسات الفنية المقترحة، إلى جانب التأهيل التقني والقدرة المالية.

وهذا يعني أن المنافسة بين الشركات ستنعكس مباشرة على حجم برنامج العمل الذي يمكن تنفيذه داخل كل رقعة.

فكل عرض أقوى من حيث عدد الآبار والمسح والدراسات يترجم إلى إنفاق استكشافي أكبر، وتشغيل أوسع لشركات الخدمات، ونشاط إضافي في الحفر والنقل والدعم الفني.

وتسعى «ألنفط» من خلال هذه الصيغة إلى جذب شركاء قادرين على البقاء في المشروع لسنوات، لا مجرد دخول قصير الأجل مرتبط بالحصول على الرخصة.

*الجولة بُنيت على طلب السوق*

ولا تبدأ جولة 2026 من سبع رقع اختيرت بصورة إدارية فقط. فقد سبقتها عملية استطلاع مع الشركات الدولية شملت محفظة من 24 مشروعًا، ثم جرى استخدام نتائج هذا التواصل لتحديد المناطق الأكثر ملاءمة للطرح.

ويكشف هذا الأسلوب عن محاولة لتقليل الفجوة بين ما تعرضه الدولة وما يبحث عنه المستثمر. فبدل طرح عدد كبير من الرقع وانتظار رد السوق، جرى أولًا قياس اهتمام الشركات ثم بناء الجولة على الفرص التي أظهرت قدرة أكبر على جذبها.

ومنذ فتح غرف البيانات الافتراضية مطلع جوان، انتقلت الشركات المهتمة إلى مرحلة دراسة التفاصيل الجيولوجية والجيوفيزيائية.

وقد بلغ عدد الشركات التي أبدت اهتمامًا نحو 60 شركة، بينما انتقل قرابة نصفها إلى الاطلاع الفعلي على البيانات التقنية، وهو ما يوفر قاعدة أولية يمكن أن تتحول منها العروض الرسمية لاحقًا.

لكن هذا الاهتمام لا يساوي حتى الآن التزامًا استثماريًا، وهو ما يجعل الأشهر المقبلة أكثر أهمية من مرحلة التسويق نفسها.

*الجولة السابقة تمنح الجزائر ورقة تفاوض*

وتدخل «ألنفط» كيب تاون ومعها نتيجة حديثة تستطيع تقديمها للمستثمرين. فجولة 2024، التي طرحت ست رقع، انتهت بإسناد خمس منها خلال 2025، ما منح الجزائر معدل نجاح مرتفعًا مقارنة بعدد الفرص المعروضة.

ومن أبرز نتائجها عقد أحارا، الذي جمع «توتال إنرجيز» و«قطر للطاقة» على مساحة تقارب 14.9 ألف كيلومتر مربع عند التقاء حوضي بركين وإليزي.

وتحمل هذه السابقة أهمية تتجاوز أسماء الشركات، لأنها تعطي المستثمر الجديد مثالًا حديثًا على قدرة الجولة الجزائرية على الانتقال من العرض إلى التعاقد.

كما تمنح «ألنفط» مرجعًا يمكن استخدامه في طمأنة المشغلين بشأن الإجراءات والشروط وسرعة الوصول إلى الاتفاق النهائي.
كيب تاون تجمع المنافسين على الاستثمار نفسه

وتزداد أهمية المشاركة الجزائرية لأن المعرض لا يعرض فرص الجزائر وحدها.

فليبيريا تروج لجولة تعتمد التفاوض المباشر، بينما تواصل غينيا الاستوائية عرض فرصها الاستثمارية، في وقت تستخدم فيه دول إفريقية أخرى المنصة نفسها لجذب الشركات العالمية.

وبالتالي، فإن كل شركة تدخل جلسة الجزائر تستطيع في اليوم نفسه مقارنة العائد المتوقع والمخاطر التعاقدية والجيولوجية مع فرص أخرى في القارة.

وهنا لا يكفي أن تكون الرقعة واعدة جيولوجيًا؛ فالمستثمر ينظر أيضًا إلى شروط العقد، وسرعة منح التراخيص، وإمكانية استرداد التكاليف، والبنية التحتية المتاحة، والوصول إلى الأسواق.

وتملك الجزائر في هذا الجانب ميزة يصعب تجاهلها: صناعة محروقات قائمة منذ عقود، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب، ومراكز معالجة، ومنافذ تصدير، وسوق خدمات نفطية متطور نسبيًا مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة.

وهو ما يمكن أن يقلص الفترة بين الاكتشاف وبدء الاستغلال التجاري، أحد أكثر العوامل حساسية في حسابات شركات المنبع.

جانفي يحسم اهتمام الشركات

وحددت الجزائر المرحلة التالية في جانفي 2027، عندما يبدأ تقديم العروض، قبل الانتقال إلى توقيع العقود في مارس.

وبذلك، تتحول الفترة الممتدة من كيب تاون إلى بداية العام المقبل إلى مرحلة فرز حقيقية بين الشركات التي تكتفي بمتابعة الجولة وتلك المستعدة للدخول في التزام مالي وتقني طويل الأجل.

وسيكون المؤشر الأهم ليس عدد الشركات التي زارت غرف البيانات، بل عدد العروض التي ستتنافس على كل رقعة ومستوى برامج العمل التي ستضعها على الطاولة.

فمن منظور الاقتصاد الوطني، قيمة الجولة لا تقاس فقط بعدد العقود، وإنما بعدد الآبار والمسوح والاستثمارات والخدمات التي ستتحول إليها تلك العقود لاحقًا.

وتحاول الجزائر في كيب تاون أن تبني على نتيجة الجولة السابقة وتوسع قاعدة المستثمرين، في وقت يشهد فيه قطاع المنبع الإفريقي منافسة متزايدة على رأس المال.

ولهذا فإن الجولة الحالية تمثل أكثر من عملية منح تراخيص جديدة: إنها اختبار لقدرة الجزائر على استخدام بنيتها النفطية القائمة ومرونتها التعاقدية وسجلها الحديث في إسناد الرقع لتحويل كيب تاون إلى نقطة انطلاق لدورة استكشاف جديدة، لا مجرد محطة إضافية في رزنامة الترويج.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام