الأولى الاقتصادي الوطني تحاليل وآراء كتاب شرشال نيوز لقاءات شرشال نيوز

الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ”شرشال نيوز”: قانون المالية 2027 فرصة لتعزيز دور المؤسسات الناشئة في تنويع الاقتصاد

تُعدّ المؤسسات الناشئة أحد المداخل الاستراتيجية لبناء اقتصاد وطني أكثر تنوعاً وقدرة على خلق الثروة ومناصب الشغل، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة وتزايد المنافسة الدولية على الابتكار والاستثمار.

ولم يعد دور هذه المؤسسات مقتصراً على تقديم الخدمات الرقمية أو تطوير التطبيقات الإلكترونية، بل امتد ليشمل الصناعة والفلاحة والصحة والطاقة والخدمات المالية واللوجستية، بما يتيح حلولاً جديدة لمشكلات الإنتاج والتسويق والتسيير.

وفي الجزائر، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يندرج ضمن توجهات ترمي إلى تسريع النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الإيرادات، وتشجيع الصناعة المحلية والمؤسسات الناشئة، وتحسين مناخ الأعمال.

ولفهم رهانات هذا التوجه، أجرت “شرشال نيوز”، اتصالاً بالخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، الذي أكد بأن أهمية هذا التوجه يبرز في التمييز بين الإصلاحات التي أقرها قانون المالية لسنة 2026، والتدابير التي قد يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الرهان لا يتعلق بمجرد تشجيع إنشاء المؤسسات الناشئة، بل بتعزيز قدرتها على التحول إلى وحدات اقتصادية منتجة، قادرة على تطوير منتجات وخدمات مبتكرة، والوصول إلى الأسواق، وخلق فرص العمل، وتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني.

المؤسسات الناشئة وقانون المالية 2027.. من التأسيس إلى صناعة الثروة

يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، أن أهمية التوجهات الميزانياتية المرتبطة بالمؤسسات الناشئة تكمن في إدراجها ضمن رؤية أوسع ترتكز على دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع الصناعة المحلية، وتحسين مناخ الأعمال، وربط الإنفاق العمومي بالأهداف والنتائج.

وفي هذا الشأن، يؤكد أن قيمة قانون المالية لا تُقاس بعدد الامتيازات الممنوحة للمؤسسات الناشئة فحسب، بل بمدى مساهمته في إزالة العقبات التي تواجهها وتحويل الابتكار إلى نشاط اقتصادي مستدام.

وفي هذا يصدد، يقول الخبير تيغرسي،” ان الهدف الأساسي، ليس زيادة عدد المؤسسات المسجلة فقط، وإنما زيادة عدد المؤسسات التي تنتج وتبيع وتصدّر وتوظّف.”

التحفيزات الجبائية.. ماذا أقر قانون المالية 2026؟

لفهم ما يمكن أن يضيفه قانون المالية 2027، يشير الخبير تيغرسي إلى ضرورة استحضار التدابير التي أقرها قانون المالية لسنة 2026، والتي شكلت تطوراً في منظومة التحفيز الجبائي.

ومن بين هذه التدابير تمديد فترة الإعفاء من الضريبة على الدخل الإجمالي أو الضريبة على أرباح الشركات أو الضريبة الجزافية الوحيدة، بحسب الوضع القانوني والجبائي للمؤسسة الحاصلة على علامة “مؤسسة ناشئة”، إلى أربع سنوات من تاريخ الحصول على العلامة، مع إمكانية التمديد لسنتين إضافيتين عند تجديدها، وفق الشروط المعمول بها.

كما أشار الخبير تيغرسي، الى أن أهمية هذا الإجراء تكمن في مراعاة طبيعة المؤسسات الناشئة التي تحتاج إلى وقت لتطوير منتجاتها، واختبار السوق، واستقطاب العملاء، والوصول إلى مرحلة تحقيق إيرادات مستقرة.

وفي المقابل، يشدد على أن الإعفاء الضريبي وحده لا يصنع مؤسسة ناجحة، خاصة أن المؤسسة التي لا تحقق أرباحاً لا تستفيد من الإعفاء على الأرباح بالقدر نفسه الذي تستفيد به مؤسسة بدأت تحقق نتائج إيجابية.

وفي هذا الاطار، أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي على الحوافز الجبائية و المرافقة الدائمة للمؤسسات الناشئة التي تحقق نتائج اجابية، قائلا “ينبغي أن تتكامل الحوافز الجبائية مع التمويل والمرافقة التقنية وتسهيل الوصول إلى الأسواق.”

وفي سياق متصل، أشار الخبير هواري تيغرسي الى الحاضنات، قائلا “كما شملت منظومة التحفيز الحاضنات الحاصلة على العلامة، من خلال إعفاءات ضريبية محددة المدة وقابلة للتجديد وفق الشروط القانونية.”

وأضاف أن الحاضنات تؤدي، دوراً مهماً في تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق، عبر المرافقة التقنية والتجارية، والمساعدة على إعداد خطط الأعمال، وتطوير النماذج الأولية، وربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين.

وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ تيغرسي، أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تقييم الحاضنات بعدد المشاريع التي تستقبلها إلى قياس عدد المؤسسات التي تنجح في الاستمرار، وتحقق إيرادات، وتخلق مناصب شغل، وتصل إلى الأسواق الخارجية.

وفيما يتعلق بتكلفة اقتناء المعدات، أشار الخبير الاقتصادي، أنها تتضمن المنظومة الجبائية مزايا مرتبطة بإعفاء بعض المعدات المقتناة مباشرة لإنجاز المشاريع الاستثمارية للمؤسسات الناشئة من الرسم على القيمة المضافة، مع تطبيق الرسم الجمركي المحدد قانوناً، وفق شروط الاستفادة والإجراءات التنظيمية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أن فعالية هذا الإجراء ترتبط بوضوح الإجراءات وسرعة معالجة الملفات، وتحديد المعدات المؤهلة للاستفادة من الامتيازات، وتفادي التعقيدات الإدارية التي قد تجعل الحوافز القانونية صعبة التطبيق عملياً.

ومن هذا المنطلق، يبرز، وفق الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، تبسيط المسار الإداري للاستفادة من الامتيازات وتوفير المعلومات اللازمة للمؤسسات منذ مرحلة التأسيس ضمن الإصلاحات التي تستحق الدراسة في إطار قانون المالية 2027.

التمويل.. الحلقة التي تحدد قدرة المؤسسات الناشئة على النمو

نوه الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، الى مسألة التمويل، حيث يرى بأنها من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات الناشئة، بالنظر إلى طبيعة نماذجها الاقتصادية، التي قد تتطلب إنفاقاً معتبراً على البحث والتطوير وبناء المنتجات واستقطاب الكفاءات قبل تحقيق إيرادات مستقرة.

وفي هذا السياق، يبرز تيغرسي ضرورة تطوير منظومة تمويل متنوعة تشمل صناديق الاستثمار الجريء القادرة على تمويل المشاريع ذات المخاطر المرتفعة، وتوسيع مساهمة المستثمرين الخواص في رأس المال، وتطوير أدوات تمويل المؤسسات في مراحل التأسيس والتوسع.

كما شدد على أهمية تشجيع الشراكات بين المؤسسات الناشئة والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وتسهيل تمويل البحث والتطوير والنماذج الأولية والمنتجات الصناعية المبتكرة.

المؤسسات الناشئة والإنتاج الوطني.. من الحلول الرقمية إلى الاستقلال الاقتصادي

يشدد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، على ضرورة عدم حصر المؤسسات الناشئة في التطبيقات الإلكترونية والخدمات الرقمية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد الجزائري إلى توسيع مجال الابتكار ليشمل مختلف القطاعات المنتجة.

وفي هذا الشأن، يبرز الخبير تنوع المجالات التي يمكن للمؤسسات الناشئة الولوج اليها و تحقيق قيمة مضافة، قائلا “ففي الفلاحة، يمكن للمؤسسات الناشئة تطوير تقنيات الري الذكي ومراقبة المحاصيل وتحسين استخدام الأسمدة وتقليل ضياع المنتجات.”

وأيضا في الصناعة، تستطيع هذه المؤسسات تطوير أنظمة الصيانة التنبؤية والأتمتة ومراقبة الجودة وإدارة المخزون، إلى جانب تحسين كفاءة استهلاك الطاقة.

وأضاف، قائلا “أما في النقل والخدمات اللوجستية، فيمكنها تطوير حلول لتتبع الشحنات وتحسين مسارات التوزيع وتقليص تكاليف النقل والتخزين، في حين يتيح الابتكار في قطاع الصحة فرصاً لتطوير الخدمات الرقمية وتحسين إدارة المواعيد والملفات وتسهيل الوصول إلى بعض الخدمات الطبية.”

وفي هذا الصدد، تكمن الأهمية الاقتصادية لهذه المجالات، حسب الأستاذ تيغرسي، في جعل المؤسسة الناشئة جزءاً من دورة الإنتاج الوطني، بدلاً من أن تظل نشاطاً منفصلاً عن احتياجات الاقتصاد الحقيقي.

وفي هذا الصدد، دعا الخبير الاقتصادي تيغرسي، إلى توجيه البرامج المرتبطة بالتوجهات الميزانياتية لسنة 2027 نحو احتياجات القطاعات الإنتاجية، ومنح فرص أكبر للمشاريع القادرة على تقليل التكاليف ورفع الإنتاجية وإحلال المنتجات المحلية محل الواردات عندما يكون ذلك مجدياً اقتصادياً.

خمسة محاور لتعزيز دور المؤسسات الناشئة في قانون المالية 2027

يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الانتقال بالمؤسسات الناشئة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النمو يتطلب دراسة مجموعة من الإصلاحات التي من شأنها تعزيز أثرها الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، يقدم الخبير الاقتصادي، تصورا كاملا يبدأ أولا بدراسة ربط بعض الحوافز الإضافية بمؤشرات قابلة للقياس، مثل الاستثمار في البحث والتطوير، وخلق مناصب العمل المستدامة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتطوير الصادرات، مع مراعاة اختلاف طبيعة المؤسسات الناشئة ومراحل نموها، حتى لا تتحول شروط الاستفادة إلى عبء إداري جديد.

وفي المرحلة الثانية تسهيل وصول المؤسسات الناشئة إلى الصفقات العمومية، باعتبارها فرصة لاختبار المنتجات وتحقيق أول الإيرادات.

ويبرز هنا، حسبه، تطوير آليات تسمح للهيئات العمومية باقتناء الحلول المبتكرة وفق قواعد واضحة للمنافسة والشفافية، مع تبسيط شروط المشاركة بما يتناسب مع طبيعة المؤسسات الصغيرة والناشئة.

كما يرى بضرورة تشجيع الاستثمار الخاص في الابتكار، من خلال دراسة آليات تحفيزية تدفع المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة إلى الاستثمار في البحث والتطوير، وتمويل المشاريع المبتكرة، وإقامة شراكات مع الجامعات والمؤسسات الناشئة.

كما لفت أيضا، الى أهمية ربط الجامعة بالمؤسسات الناشئة والصناعة، من خلال تطوير مراكز نقل التكنولوجيا والمخابر المشتركة وبرامج احتضان المشاريع الجامعية، وتشجيع الباحثين على تحويل نتائج أبحاثهم إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.

وفي ذات السياق، يؤكد تيغرسي أن المعرفة التي لا تجد طريقها إلى الإنتاج تبقى فرصة اقتصادية غير مستغلة.

كما نوه أيضا الى أهمية توسيع فرص التصدير أمام المؤسسات الناشئة، من خلال مرافقة المؤسسات القادرة على التوسع نحو الأسواق الإفريقية والعربية والدولية، وتسهيل إجراءات التصدير، وتوفير المعلومات التجارية، وحماية الملكية الفكرية، وتطوير وسائل الدفع والتعاقد الدولية.

ويرى بأنه كلما تمكنت المؤسسات الناشئة من تحقيق إيرادات خارجية، زادت قدرتها على المساهمة في تنويع الصادرات وتطوير الكفاءات الوطنية.

ويشدد الخبير الاقتصادي، على أن هذه المحاور تمثل مقترحات إصلاحية ينبغي تقييم مدى إدراجها في النص النهائي لقانون المالية 2027، ولا تعني بالضرورة أنها تدابير مؤكدة وردت في المشروع.

كيف يُقاس نجاح سياسة دعم المؤسسات الناشئة؟

يؤكد الخبير الاقتصادي تيغرسي أن نجاح السياسة العمومية لا يُقاس بعدد المؤسسات التي تحصل على العلامة، ولا بحجم الإعفاءات الجبائية وحده، بل يتطلب اعتماد مؤشرات سنوية واضحة تسمح بتقييم استدامة المشاريع وأثرها على الاقتصاد الوطني.

وتشمل هذه المؤشرات معدل بقاء المؤسسات بعد ثلاث وخمس سنوات، ومناصب الشغل المستحدثة والمستدامة، وحجم الإيرادات والمبيعات، والقيمة المضافة المحلية، والإنفاق على البحث والتطوير، والصادرات المحققة، وحجم التمويل الخاص المستقطب، فضلاً عن عدد المنتجات والخدمات التي تعوض واردات مجدية اقتصادياً.

ويرى أن نشر هذه المؤشرات بصورة دورية يتيح للبرلمان والرأي العام والباحثين تقييم فعالية الأموال العمومية والامتيازات الممنوحة، كما يعزز أهمية التوجه نحو ميزانية البرامج والأهداف التي تربط الموارد المخصصة بالنتائج المنتظرة، بدلاً من الاكتفاء بقياس حجم الإنفاق.

المؤسسات الناشئة.. وسيلة لبناء اقتصاد منتج

يخلص الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في مداخلته إلى أن مشروع قانون المالية 2027 يمثل فرصة لتعزيز مكانة المؤسسات الناشئة ضمن استراتيجية تنويع الاقتصاد الجزائري، خاصة في ظل التوجهات المعلنة نحو تشجيع الصناعة المحلية ودعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية وتحسين مناخ الاستثمار.

غير أنه يشدد على ضرورة التمييز بين هذه التوجهات العامة والإصلاحات القانونية والجبائية المحددة، التي لا يمكن تأكيدها إلا بالرجوع إلى النص الرسمي الكامل للمشروع.

ويؤكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد المؤسسات الناشئة التي تنشئها الجزائر، بل في قدرتها على التحول إلى مؤسسات منتجة وتنافسية، وقادرة على خلق مناصب الشغل وتطوير التكنولوجيا وتوسيع الصادرات.

فالإعفاء الضريبي يمنح المؤسسة الناشئة فرصة للانطلاق، والتمويل يساعدها على النمو، لكن الإنتاجية والابتكار والوصول إلى السوق هي التي تمنحها القدرة على البقاء.

ومن ثم، فإن المعيار الاقتصادي الأهم لقياس نجاح سياسة دعم المؤسسات الناشئة يتمثل في مقدار ما تضيفه إلى الناتج الوطني، وما تخلقه من فرص عمل مستدامة، وما تحققه من قيمة مضافة داخل الجزائر وخارجها.

مهدي الباز

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام