الأولى الوطني

من جنيف إلى الممرات الإفريقية.. الجزائر تضع كلفة العبور ورقمنة الجمارك في صلب تجارتها الخارجية

مع توسع الجزائر في فتح ممرات تجارية نحو الساحل وموريتانيا وغرب إفريقيا، تنتقل كفاءة العبور الجمركي من ملف إداري إلى عنصر مباشر في تنافسية الصادرات. ومن هذا المنطلق، تشارك الجزائر اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 في الدورة الـ173 للمنتدى العالمي للمسائل الجمركية المتعلقة بالنقل «WP.30» بجنيف، حيث تضع اتفاقية «TIR»، ورقمنة العبور، وتنسيق الرقابة الحدودية أمامها مجموعة من الأدوات التي يمكن أن تخفض زمن انتقال السلع وتكاليفها بين السوق الجزائرية ووجهاتها الخارجية.

ويمثل الجزائر في هذه الدورة المدير العام للجمارك، اللواء عبد الحفيظ بخوش، في مشاركة ترتبط مباشرة بمسار تحديث الإدارة الجمركية ومرافقة توسع التجارة الخارجية. فكلما زادت حركة السلع الجزائرية عبر الحدود البرية، ارتفعت الحاجة إلى قواعد تسمح بتسريع المعالجة دون التخلي عن الرقابة على حركة البضائع وحماية الاقتصاد الوطني.

وحسب برنامج لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، تناقش الجزائر إلى جانب بقية الأطراف خلال جلسات 7 و9 أكتوبر تطبيق الاتفاقيات المنظمة للعبور الدولي، ومعالجة العراقيل التي تواجه حركة السلع. وتكتسب هذه المناقشات أهمية عملية للجزائر بالنظر إلى أن مشاريع الطرق والممرات الجديدة تحتاج إلى إجراءات جمركية قادرة على استثمار البنية التحتية بدل تحويل الحدود إلى نقاط تأخير داخل المسار التجاري.

وتبرز اتفاقية النقل الدولي للبضائع «TIR» في صلب هذه المشاركة الجزائرية، لأنها توفر إطارًا يسمح بعبور الشحنات عدة دول ضمن نظام موحد للضمان الجمركي. وبالنسبة للجزائر، فإن تطوير الاستفادة من هذه المنظومة يمكن أن يخدم بصورة مباشرة الشركات التي تنقل منتجاتها برًا نحو الأسواق الإفريقية، حيث يتضاعف أثر الإجراءات كلما ارتفع عدد الحدود التي تعبرها الشحنة.

وتأتي متابعة الجزائر لهذا الملف في وقت توسع فيه حضورها التجاري جنوبًا، خصوصًا عبر الطريق العابر للصحراء ومحور تندوف–الزويرات. ويعني ذلك أن نجاح السياسة اللوجستية الجزائرية لن يتوقف على جودة الطريق أو توفر الشاحنات فقط، بل كذلك على قدرة الجمارك الجزائرية على الاندماج في أنظمة عبور تسمح باستمرار الشحنة عبر عدة دول بأقل قدر ممكن من التوقف والإجراءات المتكررة.

ولهذا تحمل مشاركة الجزائر في مناقشات «TIR» بعدًا اقتصاديًا مباشرًا بالنسبة إلى المصدر الوطني. فالشحنة التي تبقى ساعات أو أيام إضافية في المعبر تحمل معها تكاليف نقل وتأمين وتخزين، بينما يبقى رأس مال المؤسسة مجمدًا إلى غاية التسليم والتحصيل. وكل تقدم تحققه الجزائر في اختصار هذه الدورة ينعكس على الكلفة النهائية للمنتج الجزائري في السوق الخارجية.

وتتابع الجزائر في جنيف أيضًا ملف اتفاقية تنسيق الرقابة على البضائع عند الحدود لعام 1982، وهو موضوع يرتبط مباشرة بتعدد المصالح التي تتدخل في معالجة الشحنات الجزائرية. فكلما تحسن التنسيق بين الجمارك والرقابة الصحية والتقنية والتجارية والأمنية، أمكن تقليل تكرار الفحص والوثائق واختصار مدة بقاء السلع عند المعابر.

وبالنسبة للجمارك الجزائرية، لا يعني ذلك تخفيف الرقابة، بل الانتقال إلى نموذج أكثر كفاءة يعتمد على تنسيق المعلومات وتوجيه التفتيش نحو الشحنات الأعلى مخاطرة. ويمنح هذا الأسلوب الجزائر إمكانية الجمع بين هدفين يتحركان معًا داخل التجارة الخارجية: تسريع مرور السلع النظامية وتعزيز القدرة على كشف المخالفات والتهريب والغش.

ويأخذ ملف الرقمنة بدوره مساحة أساسية في المشاركة الجزائرية، خصوصًا من خلال نظام «eTIR» الذي يسمح بتبادل بيانات العبور والضمانات بصورة إلكترونية وآمنة بين الأنظمة الجمركية الوطنية. وبالنسبة للجزائر، فإن أهمية هذا النظام ترتبط بإمكانية انتقال المعلومات عن الشحنة قبل وصولها إلى الحدود، بدل بدء معالجة الملف كاملة عند وصول المركبة إلى المعبر.

ويمنح هذا التحول الجمارك الجزائرية قدرة أكبر على التحضير المسبق للشحنة وتقييم مخاطرها، بما يمكن أن يقلل زمن المعالجة بالنسبة للعمليات المنتظمة. كما يسمح للمؤسسة الجزائرية بتقليص الاعتماد على تداول الوثائق الورقية نفسها في كل مرحلة من مراحل الرحلة.

وتزداد قيمة هذا الملف بالنسبة إلى الجزائر مع مشروع الطريق الرابط بين تندوف والزويرات، الذي يبلغ طوله نحو 840 كيلومترًا ويُنظر إليه كأحد المحاور الجديدة لدخول السلع الجزائرية إلى السوق الموريتانية ومنها إلى غرب إفريقيا. فالمردود الاقتصادي لهذا الطريق يرتبط بمدى قدرة الجزائر وموريتانيا على جعل الحدود جزءًا سريعًا من الممر بدل أن تتحول إلى نقطة تفقد الطريق جزءًا من مكاسب الزمن والكلفة التي يوفرها.

وتتقاطع مشاركة الجزائر في «WP.30» كذلك مع الطريق العابر للصحراء باتجاه النيجر ونيجيريا، إذ إن هذا المحور يفتح أمام المنتجات الجزائرية مسافة تجارية أوسع داخل القارة. وكلما امتدت الشحنة إلى أسواق أبعد، أصبحت قابلية توقع زمن عبورها أكثر أهمية بالنسبة إلى المصدر الذي يحتاج إلى الالتزام بمواعيد تسليم وضبط مخزوناته وتكاليف النقل.

ولهذا لا تنظر الجزائر إلى تبادل البيانات الجمركية باعتباره ملفًا تقنيًا منفصلًا عن الاستثمار في الطرق والبنية التحتية. فالطريق ينقل السلعة، بينما النظام الجمركي ينظم سرعتها التجارية، ولا تحقق الاستثمارات اللوجستية كامل أثرها إذا بقيت إجراءات العبور غير منسقة بين الدول.

وتخدم مشاركة الجزائر في جنيف كذلك المؤسسات الصناعية المستوردة للمواد الأولية والتجهيزات. فالتأخر الجمركي لا يرفع فقط تكلفة المنتج الموجه للتصدير، بل يمكن أن يؤخر وصول مدخلات الإنتاج ويؤثر في رزنامة المصانع. ومن ثم، فإن تحسين المعالجة الحدودية يخدم جانبي التجارة الجزائرية: حركة الصادرات واستمرارية التموين الصناعي.

ويكتسب هذا الأمر وزنًا أكبر مع اتساع توجه الجزائر نحو تنويع الصادرات خارج المحروقات. فكل مؤسسة تدخل سوقًا إفريقية جديدة تحتاج إلى سلسلة لوجستية يمكن توقعها، تبدأ من المصنع وتنتهي عند الزبون، وتدخل الجمارك في كل مرحلة عابرة للحدود من هذه السلسلة.

ومن هنا، تتيح المشاركة الجزائرية في الدورة الـ173 متابعة التطورات التي تحكم هذه السلاسل دوليًا والعمل على مواءمة الإجراءات الوطنية معها. فالجزائر لا تناقش في جنيف قواعد مجردة، بل آليات يمكن أن تصبح جزءًا من البنية التشغيلية لممراتها التجارية الجديدة.

ويظل العائد الاقتصادي للمشاركة الجزائرية مرتبطًا بما ينتقل لاحقًا من طاولة التفاوض إلى التطبيق: تبادل أسرع للبيانات، تنسيق أفضل بين المصالح، تقليص تكرار الوثائق، توسع استخدام المعالجة المسبقة، وتحسين الربط مع أنظمة العبور الدولية.

وبذلك، تأتي مشاركة الجزائر في «WP.30» في صلب مرحلة تعمل فيها البلاد على بناء منافذ أوسع نحو إفريقيا. وإذا كانت الطرق والمناطق الحدودية الجديدة توفر البنية المادية للتجارة، فإن ما تناقشه الجمارك الجزائرية في جنيف يتعلق بالبنية التنظيمية والرقمية التي تحدد ما إذا كانت هذه الطرق ستتحول فعلًا إلى ممرات تجارية سريعة ومنخفضة الكلفة.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام