الأولى الوطني تحاليل وآراء كتاب شرشال نيوز
✒️ قراءة تحليلية خاصة بشرشال نيوز بقلم:كريم هاني عبد الغفار باحث في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية

لقاءات عطاف مع بولس ولاندو: العلاقات الجزائرية-الأمريكية من التنسيق السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية في الطاقة والساحل

عقد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، على هامش أشغال الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، لقاءين متتاليين مع مسؤولين أمريكيين رفيعين. الأول يوم 24 سبتمبر مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، والثاني يوم 25 سبتمبر مع نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندو. وأكد بيان وزارة الخارجية أن الجانبين وقفا على التطور اللافت الذي تعرفه العلاقات بين البلدين، وجددا الإرادة المشتركة لتعزيزها وتوسيعها لتشمل المجالات ذات الأولوية.

هذا الحراك الدبلوماسي يستدعي قراءة أبعاده ودلالاته، خاصة في ملفي الطاقة والأمن في الساحل، اللذين يشكلان اليوم محور التقارب بين الجزائر وواشنطن.

لقاءان في يومين متتاليين: رسالة تتجاوز البروتوكول

لا يمكن اعتبار تتابع اللقاءين، مع مستشار الرئيس الأمريكي ثم مع الرجل الثاني في الخارجية الأمريكية، تفصيلاً بروتوكولياً، فهو مؤشر على انتقال الملف الجزائري إلى مستوى أعلى في سلم أولويات واشنطن، وعلى أن العلاقة لم تعد محصورة في قناة واحدة، بل باتت تمر عبر البيت الأبيض والخارجية معاً.

ويأتي اللقاءان امتداداً لمسار متصاعد. فمنذ مطلع 2025 وقّع البلدان مذكرة تعاون عسكري خلال زيارة قائد “أفريكوم” إلى الجزائر، وزار بولس الجزائر في جويلية 2025 ثم في جانفي 2026، ثم في سبتمبر الجاري حيث استقبله رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وهذا التراكم يعكس إرادة سياسية متبادلة لبناء علاقة مؤسسية مستدامة، لا مجرد تقارب ظرفي تفرضه حسابات اللحظة.

الطاقة: من التبادل التجاري إلى الشراكة الاستثمارية

تشكل الطاقة العمود الفقري للتعاون الجزائري-الأمريكي. فقد ركّز بيان اللقاء مع بولس على الدفع بالعلاقات نحو آفاق أرحب، لا سيما في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة البينية.

ويستند هذا التوجه إلى معطيات ملموسة. فقد وقّعت سوناطراك مذكرة تفاهم مع “إكسون موبيل” في ماي 2024 لدراسة فرص تطوير الموارد الهيدروكربونية في حوضي أهنات وقورارة، كما وقّعت اتفاقات أولية مع “شيفرون”، التي أبرمت بدورها اتفاقاً مع الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات “ألنفط” للتعاون في الاستكشاف البحري في جانفي 2025. وتشير المفاوضات مع الشركتين إلى بلوغ مرحلة متقدمة، مع بقاء الشق التجاري قيد الحسم.

وتتجاوز أهمية هذا المسار قيمة العقود إلى رهانات أعمق. فالجزائر تمتلك، وفق تقديرات دولية، ثالث أكبر احتياطي قابل للاستخراج من الغاز غير التقليدي في العالم، وتحتاج إلى التكنولوجيا والخبرة التي راكمتها الشركات الأمريكية في هذا المجال، فيما تبحث واشنطن عن شركاء موثوقين في أسواق الطاقة القريبة من أوروبا، مستفيدة من الموقع الجغرافي للجزائر وارتباطها بالقارة عبر ثلاثة أنابيب للغاز.

كما تعكس التحضيرات الجارية لمنتدى الطاقة المرتقب في أكتوبر 2026 ومنتدى الأعمال الثنائي المزمع نهاية نوفمبر رغبة الطرفين في تحويل التفاهمات السياسية إلى خريطة طريق اقتصادية، تشمل إلى جانب المحروقات الطاقات المتجددة والمناجم والفلاحة والتحول الرقمي.

الأمن في الساحل: الجزائر شريك لا يمكن تجاوزه

لا ينفصل الاهتمام الأمريكي بالجزائر عن التحولات العميقة في الساحل، من انكماش الدور الفرنسي وتمدد النفوذ الروسي، إلى تزايد المنافسة الصينية والتركية، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب. وفي هذا المشهد تبرز الجزائر بوصفها الدولة الأكثر معرفة بالجغرافيا والمجتمعات والتوازنات في المنطقة، والأكثر امتلاكاً لمقاربة تقدم الحل السياسي والتنموي على المقاربة العسكرية وحدها.

وقد وفرت مذكرة التعاون العسكري الموقعة في 2025 إطاراً للتواصل والتدريب والتعاون الدفاعي، وتندرج مشاركة الجزائر في تمرين “فينيكس إكسبريس 2026” البحري متعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة ضمن هذا المسار. كما أن توسع المحادثات منذ أبريل الماضي ليشمل مكافحة الإرهاب وتنفيذ المذكرة يعكس انتقالاً من الإطار العام إلى التطبيق العملي.

ويعكس تبادل وجهات النظر بين عطاف وبولس حول الأوضاع في ليبيا والسودان ومنطقة الخليج إدراكاً مشتركاً بأن أمن الساحل جزء من منظومة إقليمية مترابطة، تمتد من ليبيا شرقاً إلى مالي والنيجر جنوباً.

شهادة نيجرية وإقرار أمريكي: تقاطع الاعتراف بالدور الجزائري

يرتبط هذا الحراك بكلمة الوزير الأول النيجري أمام الأمم المتحدة قبل أيام، التي أقر فيها بالمرافقة الجزائرية لبلاده. فالاعتراف بالدور الجزائري بات يأتي من جهتين متكاملتين: دول الساحل التي تلمس الدعم على الأرض، وقوى دولية كبرى تدرك أن أي ترتيب أمني أو تنموي في المنطقة لا يمكن أن يتم دون الجزائر.

وتدخل الجزائر، التي عملت خلال 2026 على ترميم علاقاتها مع دول الساحل، هذا التعاون من موقع قوة، لأن مقاربتها تقوم على سيادة الدول ورفض التدخلات العسكرية الأجنبية وربط الأمن بالتنمية، وهي مبادئ لا تتنازل عنها في أي شراكة مع أي طرف.

الصحراء الغربية والملفات الإقليمية: تشاور مستمر

تناول بيان اللقاء مع بولس تطورات ملف الصحراء الغربية، حيث اتفق الجانبان على مواصلة التشاور والتنسيق بشأنه. وهذا يعكس اعترافاً بأن الجزائر طرف فاعل ومعني بالملف، وأن مقاربتها المستندة إلى الشرعية الدولية وحق تقرير المصير تظل حاضرة على طاولة التشاور.

الخلاصة: شراكة تختبر قدرتها على التحول إلى مؤسسات

تعكس لقاءات نيويورك انتقال العلاقات الجزائرية-الأمريكية من مرحلة الاتصالات المتفرقة إلى مرحلة بناء شراكة متعددة الأبعاد، تجمع بين الطاقة والاستثمار والأمن الإقليمي. غير أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على ترجمة هذه الإرادة إلى عقود منفذة ومشاريع ملموسة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الجزائري وتوازن علاقاته الدولية.

ويجعل هذا التحول من الجزائر نموذجاً لدولة تدير علاقاتها مع القوى الكبرى بمنطق المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، لا بمنطق التبعية أو الاستقطاب.

الباحث في العلاقات الدولية كريم هاني عبد الغفار

2026-09-30

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام