احتضن قصر الثقافة مفدي زكريا بالجزائر العاصمة، الخميس، فعاليات إحياء الذكرى السبعين للعدوان الثلاثي على جمهورية مصر العربية، وذلك في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة أول نوفمبر التحريرية المجيدة.
وجاءت هذه التظاهرة التاريخية بمبادرة مشتركة نظمتها جمعية “مشعل الشهيد” بالتنسيق مع “الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية”، وبمشاركة سفارة جمهورية مصر العربية بالجزائر وإدارة قصر الثقافة، تجسيدًا لقيم العرفان والوفاء لأصدقاء الثورة التحريرية والروابط النضالية المشتركة بين الشعبين الشقيقين.
حضور بارز لشخصيات وطنية ودبلوماسية
وشهدت الفعالية حضور ممثلين عن مجلس الأمة، والمجلس الشعبي الوطني، ونخبة من الشخصيات الوطنية والثورية، وعلى رأسهم المجاهد والوزير الأسبق محي الدين عميمور، والمجاهد عبد الله دباغ، آخر أعضاء فرقة الضفادع البشرية أثناء ثورة نوفمبر المجيدة، إلى جانب سفير جمهورية مصر العربية لدى الجزائر، عبد اللطيف اللايح، وأعضاء من السلك الدبلوماسي، إضافة إلى باحثين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني والأسرة الإعلامية.

دقيقة صمت على أرواح شهداء الواجب القومي
واستُهلت فعاليات إحياء هذه الذكرى بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء حربَي 1967 و1973، وعلى روحَي الفقيدين المجاهد محند الطاهر بوزغوب، الضابط الطيار الذي شارك في حربَي 1967 و1973 ضد الكيان الصهيوني، والمجاهد قاسمي محمد، الذي كان ضمن الرعيل الأول المساهم في تشكيل مديرية الطيران الحربي التابعة للجيش الوطني الشعبي، واللذين وافتهما المنية منذ يومين.

محطة نضالية جسدت تلاحم الدم والمصير المشترك
واستهل عضو وممثل الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، الدكتور نور الدين السد، كلمته الافتتاحية بالتذكير بالأهداف الأساسية للجمعية، قائلًا: “يشرفني أن أشارككم إحياء الذكرى السبعين للعدوان الثلاثي على مصر في 29 أكتوبر 1956، باسم الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية، التي من أهدافها الأساسية التواصل الدائم مع كل من كان سندًا وعونًا لنا أيام ثورة التحرير المباركة في كل القارات”.
وفي معرض كلمته، أكد الدكتور نور الدين السد، أن العدوان البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر عام 1956 جاء عقب القرار السيادي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس، مشيرًا إلى أن مشاركة فرنسا في العدوان كان دافعها الأساسي والاستراتيجي محاولة كسر الدعم المصري الصلب لثورة أول نوفمبر 1954 وإخماد شعلتها التحررية.
وأوضح الدكتور نور الدين السد، أن مصر، قيادةً وشعبًا، شكّلت عمقًا استراتيجيًا وسندًا سياسيًا ودبلوماسيًا وإعلاميًا وعسكريًا لجبهة التحرير الوطني، ولم تثنها الضغوط والتهديدات الاستعمارية عن نصرة القضايا العادلة والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأضاف قائلًا: “لقد واجه الشعب المصري العدوان بشجاعة وصمود، وتجسدت مقاومته البطولية في بورسعيد، وتضافرت إرادته الوطنية مع الضغوط والتحركات الدبلوماسية الدولية لتنتهي الأزمة بانسحاب القوات المعتدية واحتفاظ مصر بسيادتها على قناة السويس”.
ولفت إلى أن إخفاق العدوان سياسيًا شكّل تحولًا تاريخيًا كشف حدود القوة الاستعمارية الأوروبية، وأكد أن التفوق العسكري لا يكفي لإخضاع الشعوب أو مصادرة سيادتها وقرارها الوطني المستقل.
ونوّه الدكتور نور الدين السد إلى أن “الجزائر، وهي تستحضر هذه الذكرى، تعتز بمواقف مصر التاريخية المشرفة تجاه ثورتنا التحريرية المجيدة، وتؤكد أن العلاقات الجزائرية المصرية ليست مجرد علاقات بين دولتين شقيقتين، وإنما هي روابط أخوة وتضامن ومصير مشترك صاغتها تضحيات الأجيال ورسختها معارك التحرير والاستقلال”.
وفي ختام كلمته، دعا اللدكتور نور الدين السد، إلى استثمار هذا الإرث التاريخي المشترك في تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الثنائي بين البلدين، بما يخدم مصالح الشعبين الجزائري والمصري، ويدعم الأمن والاستقرار والسلام والقضايا العربية والإفريقية العادلة.
وأبرز أيضًا، مبدأ البلدين في الدفاع عن السيادة الوطنية وحرية الشعوب، قائلًا: “لقد أثبتت مصر سنة 1956 أن الدفاع عن السيادة الوطنية ومناصرة حرية الشعوب مبدآن متكاملان. كما أثبتت الجزائر بثورتها المجيدة أن إرادة التحرر أقوى من كل محاولات الإخضاع”.
وأضاف: “وتبقى رسالتنا للأجيال أن ما جمع الجزائر ومصر في معارك التحرير ينبغي أن يظل مصدر قوة وتضامن في معارك البناء والتقدم وصناعة المستقبل”.
ومن جانبه، أكد سفير جمهورية مصر العربية لدى الجزائر، عبد اللطيف اللايح، أن ثورة التحرير الجزائرية شكّلت تتويجًا لعقود من النضال، قائلًا: “لقد قاده زعماء جزائريون بالفكر أحيانًا وبالسلاح أحيانًا أخرى، بدءًا من الأمير عبد القادر، ومرورًا بعبد الحميد بن باديس، نضالٌ قدّم فيه الملايين من أبناء الشعب الجزائري أرواحهم فداءً لتحرير ترابهم ووطنهم العزيز”، مشيرًا إلى استمرار هذا النضال حتى نيل الاستقلال في الخامس من جويلية عام 1962 والانضمام إلى عقد الدول العربية والإفريقية المستقلة.


العلاقات الجزائرية–المصرية.. عمق تاريخي وتطابق استراتيجي
كما استحضر السفير المصري دعم العرب جميعًا للثورة الجزائرية المجيدة بالسلاح والمال منذ الإعلان عن انطلاقها في الأول من نوفمبر.
وأشار إلى أن مصر، بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لم تتردد لحظة في إمداد جيش التحرير الوطني بالسلاح والعتاد والدعم السياسي والإعلامي، مستحضرًا حادثة اعتراض واحتجاز البحرية الفرنسية سفينة السلاح المصرية “آثوس” في أكتوبر 1956، والتي اتخذتها قوى الاستعمار ذريعة مباشرة لشن العدوان.
وبيّن أن صمود الشعب المصري الباسل في بورسعيد أجهض مخططات الهيمنة وقلب موازين القوى الدولية، مؤكدًا أن تسمية إحدى ساحات العاصمة الجزائرية باسم “بورسعيد” تجسد عمق الامتنان والارتباط الوجداني بين الشعبين.
كما استحضر السفير المصري بفخر انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، مبرزًا أنها لم تكن نصرًا لمصر وحدها، بل للأمة العربية جمعاء، وبخاصة الجزائر التي هبّ جنودها ومجاهدوها للقتال جنبًا إلى جنب مع أشقائهم المصريين على خطوط الجبهة.
وأوضح أن الدولة المصرية حرصت خلال احتفالات نصر أكتوبر الأخيرة على تكريم المجاهدين الجزائريين تقديرًا لبطولاتهم.
كما عبّر السفير عن تعازيه الخالصة لرحيل المجاهد محمد الطاهر بوزغوب والمجاهد العقيد محمد القاسمي، مشيدًا بما قدماه للأمة من تضحيات نضالية جليلة.
وفي سياق آخر، نوّه السفير بتطابق الرؤى السياسية بين القيادتين الجزائرية والمصرية إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية.
كما أكد أن التعاون الاقتصادي بين البلدين يرتكز على مبدأ “رابح-رابح”، مشيرًا إلى أن حجم التبادل التجاري تجاوز 1.3 مليار دولار، مع آفاق واعدة لرفعه في المدى القريب، فضلًا عن تصدّر مصر المركز الثالث كأكبر مستثمر أجنبي في السوق الجزائرية، مع وجود إرادة مشتركة لمضاعفة الاستثمارات البينية، بما يترجم متانة العلاقات التاريخية إلى مشاريع تنموية ملموسة.
وأكد المجاهد والوزير السابق محيي الدين عميمور، في مداخلته، أن العدوان الثلاثي شكّل منعطفًا في تاريخ التضامن العربي ومقاومة الاستعمار، قائلًا: “الواقع أن أحداث عام 1956 أكبر من أن تكون مجرد ماضٍ نلتقط الصور التذكارية أمام أطلاله، خصوصًا وهي تذكّر بحجم العلاقات المصرية الجزائرية الذي يعكس تاريخًا عريقًا من التضامن. وربما كان من معالمه الطريفة التي ينساها كثيرون أن الداي مصطفى باشا، داي الجزائر، قام بسجن الفرنسيين الذين وجدهم أمامه ردًا على حملة نابليون ضد مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وهي حقيقة غير معروفة للأسف”.
كما أشار إلى اتفاقية سيفر التي مهّدت للعدوان، ودوافع باريس للمشاركة في تحالف “سيفر” السري، قائلًا: “كانت فرنسا تتصرف كوحش جريح نتيجة تصاعد عنفوان الثورة الجزائرية، وكانت ترى أن إسقاط النظام المصري، إلى جانب ضمان استرجاعها شركة قناة السويس، يمثل انتقامًا من مصر الداعمة للثورة الجزائرية. وكان من دلالات الحقد الفرنسي اختيار سفاح معركة الجزائر، الجنرال ماسو، قائدًا للهجوم على بورسعيد، ومن هنا أطلقت الجزائر اسم بورسعيد على واحد من أهم ميادينها”.

التضامن الجزائري المصري تجسيد استراتيجي لمفهوم الأمن القومي
وتوقف المجاهد و الوزير السابق،محي الدين عميمور، باعتزاز عند انخراط الشباب والطلبة الجزائريين في المقاومة الشعبية بمصر، قائلًا: “كنت آنذاك متطوعًا مع العديد من الطلاب في الحرس الوطني المصري”، مشيرًا إلى أهمية تلك المشاركة، وإن كانت، حسب قوله، رمزية، إلا أنها مكّنته والمشاركين معه من التدرب على الأسلحة بما يسمح لهم لاحقًا بالالتحاق بجيش التحرير الوطني.
واختتم عميمور مداخلته برؤية تحليلية جامعة لمفهوم الأمن القومي العربي، مؤكدًا أن القيادات التاريخية كانت تعتبر قضايا الأمة وحدة عضوية لا تتجزأ، قائلًا: “أحب أن أختتم هذه المداخلة بملاحظة أراها جوهرية، تتعلق بتصور الكثيرين أن تضامن الجزائر مع مصر هو رد للجميل الذي تجسّد في دعم أرض الكنانة للثورة الجزائرية، ثم تضامنها مع الجزائر إثر غزو قوات المخزن في أكتوبر 1963. وبرغم أن ذلك التضامن حقيقة لا تُنكر، فإننا نرى أن القضية أعمق من مجرد النظرة العاطفية، وأعتقد أنها كانت أساسًا تجسيدًا لنظرة القيادتين في كل من الجزائر ومصر لمفهوم الأمن القومي”.

مهمة صعبة تكللت بالنجاح
واختُتمت فعاليات هذا اللقاء بتكريم المجاهد عبد الله دباغ، أحد أفراد فرقة الضفادع البشرية التابعة للقوات البحرية، نظير تضحياته في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.
وخلال تكريمه، ألقى المجاهد عبد الله دباغ كلمة استحضر فيها تفاصيل ميدانية تاريخية أثناء تأديته مهامه العسكرية، حيث كشف عن صعوبة المهمة التي أوكلت إليه، وعن دور سلاح الضفادع البشرية في إزالة الألغام التي زرعها العدو في قناة السويس.


مهدي الباز



