قلّة من يعرف أن سبب تمكن المغنية فيروز من مخارج الحروف و صحة مدود الأصوات ناتج من تعلمها تجويد القرآن الكريم على يد حافظي كتاب الله تعالى الأخوين الملحنين محمد و أحمد سليم فليفل، و هذا يذكرنا بما جاء في سورة البقرة عن الملكين هاروت و ماروت.
لذا سنقتبس بعد عرض الآية الكريمة خمس فوائد على علاقة بموضوعنا.
يقول الله تعالى: ” وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون ” .
- يتفق العلماء على أن الملكين هاروت و ماروت قد نزلا بأمر الله تعالى لا ليعلما الناس السحر كي يفعل بل ليعرف تماما كما خلق الله المعصية و الطاعة فمن فعل المعصية آثم و و من فعل الطاعة مأجور لذلك قالا : إنما نحن فتنة ، أي اختبار فلا تكفر بتطبيق الدروس النظرية عن المعصية و الكفر الذي هو هنا: السحر.
- يقول الله تعالى: ” و رتل القرآن ترتيلا “، أي أمهل و أحسن و رتب قراءتك لآياته، و معروف أن القراءات السبع المتواترة أو الثلاثة المتبقية كي يصبح العدد عشرة، إنما نقلت كما قرأت و كما أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم بمخارجها و مدودها و لحنها العربي الأصيل و بلغات العرب السائدة في عهد النبي عليه الصلاة و السلام.
- و عليه فإن مدود التلاوة و مخارج حروفها تتفق لزاما مع أسلوب القارئ للقرآن في كل زمان و مكان كما أنها حافظ أمين لطريقة كلام العرب، لكنها ليست غناء أبدا.
- واضح أن جو التعددية الدينية في لبنان و تعايش طوائفها المثالي، قد سهل فكرة تعلم المسيحيين لمخارج الحروف و المدود في مدارسهم من الشعر العربي و من القرآن، لكنه على يدي الأخوين فليفل عندما علما فيروز يشبه و لو من بعيد ما قام به الملكان هاروت و ماروت، لأن القرآن الكريم كتاب هداية و إيمان و تقوى و عمل، رغم أنه معجزة قرائية تلاوية يستحيل تقليدها.
- على أن الاستفادة من القرآن لتصحيح المخارج و النطق يبعد به عن مغزاه و يصل به إلى قول الله تعالى على لسان الملكين هاروت و ماروت: ” إنما نحن فتنة فلا تكفر ” و هي في معنى موضوعنا لا تكفر بترك بقية ما في القرآن و تأخذ اللحن و حسن النطق فقط. و الحق أن في قصة فيروز مع الأخوين فليفل معجزة قرآنية أخرى، و هي أن حتى أرقى أنواع الغناء العربي لا يصل إليه من يبتغيه إلا بالمرور على حافظه الأمين و هو القرآن الكريم ، غير أن من أراد إلا هذا فسيقع في مشكلة أن القرآن ليس كتاب غناء.
الصحافي الكاتب: هيثم رباني




