احتضن جامع الجزائر، الثلاثاء، ندوة علمية “، تحت شعار “الصورة التاريخية معركة من أجل الحقيقة، وشهادة تستنهض همم الأجيال لبناء الوطن”، ومعرضا بعنوان “الصورة والذاكرة”، وذلك تخليدا للذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة.
وأشرف وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، بحضور وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت، على تدشين معرض الصور التاريخية للمصور الراحل محمد كواسي، وافتتاح أشغال الندوة العلمية التي نظمها متحف الحضارة الإسلامية بجامع الجزائر.
وشهدت الفعالية حضور الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين عمار بومرزوق، وجمع من الأسرة الثورية وعائلة المصور الراحل، إلى جانب إطارات الجامع ونخبة من الأساتذة والباحثين وممثلي وسائل الإعلام الوطنية.
تدشين معرض الصور التاريخية للمصور محمد كواسي
استهل الوفد الرسمي برنامجه بتدشين المعرض التاريخي، المقام بالطابقين السابع والثامن من المنارة، حيث طاف بأروقته التي ضمت رصيدا نادرا من الصور التاريخية المخلدة لبطولات جيش التحرير الوطني وصمود الشعب الجزائري.
عميد جامع الجزائر: الذاكرة الوطنية مسؤولية علمية وثقافية وتربوية

وافتتحت الندوة العلمية بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، تلاها الشيخ محمد مقاتلي الإبراهيمي، أعقبها الاستماع إلى النشيد الوطني، لتنطلق بعدها الأشغال بكلمة افتتاحية لعميد جامع الجزائر، أكد فيها أن ثورة أول نوفمبر تمثل في وجدان الجزائريين لحظة تأسيسية وميثاقا تتجدد به صلة الأجيال بالقيم التي صنعت الاستقلال، مبرزا أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد مخزون ساكن للوقائع، بل مسؤولية علمية وثقافية وتربوية متواصلة لحماية الهوية التي غذّت الجهاد الشعبي.
وأكد الشيخ القاسمي أن للذاكرة الوطنية في الجزائر خصوصية بالغة، بالنظر إلى أن الاستعمار الفرنسي استهدف الأرض والإنسان واللغة والدين والذاكرة، سعيا إلى جعل الجزائري غريبا عن تاريخه ومنقطعا عن جذوره وفاقدا للثقة في قدرته على استعادة مصيره.
وأضاف أن الشعب الجزائري واجه هذا المسعى بتمسكه بمقومات شخصيته الوطنية، وإيمانه العميق بحقه في الحرية، واستمراره في مقاومة كل أشكال المحو وطمس الهوية.
ونوّه عميد جامع الجزائر بتجربة المصور الراحل محمد كواسي، مشيرا إلى أن معرض “الصورة والذاكرة” يتيح التأمل في الوجه الإنساني للثورة الجزائرية، باعتبار أن الصورة التاريخية تحمل من الدلالات ما قد تعجز عنه صفحات كثيرة من الكتابة، فهي تحفظ ملامح الرجال والنساء، وتوثق لحظات الكفاح، وتنقل إلى الأجيال القادمة آثار المعاناة وعظمة التضحية وعمق الإيمان بقضية الوطن.
وشدد في هذا السياق على أن مسؤولية الحاضر والمستقبل تتمثل في كتابة صفحات البناء بالأعمال، صونا لأمانة الاستقلال وترسيخا لمكانة الجزائر بين الأمم، مثلما كتب الشهداء بدمائهم صفحة التحرير.
تاشريفت يبرز دور الإعلام في نقل عدالة القضية الجزائرية إلى المحافل الدولية

ومن جانبه، أبرز وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت الدور الفاصل الذي أداه الإعلام في معركة التحرير الوطني، مؤكدا أن الحديث عن ثورة التحرير الكبرى وأمجادها لا يستقيم دون الوقوف عند أهمية الكلمة والصورة في التعريف بالقضية الجزائرية.
وأوضح أن قادة الثورة أدركوا مبكرا أهمية الإعلام، باعتبار أن الكلمة والصورة شكّلتا جناحين حلّقت بهما القضية الوطنية في سماء المحافل الدولية.
وأضاف أن الإعلام الصوتي والمرئي أسهم، في وقت كانت فيه الآلة الدعائية الاستعمارية تضلل الرأي العام العالمي، في كشف جرائم الاستعمار وممارساته ضد الشعب الجزائري، ونقل عدالة القضية إلى العالم.
وفي السياق ذاته، استحضر الوزير الدور الذي أداه المصور الراحل محمد كواسي، المصور والإطار بمصلحة التصوير بوزارة الإعلام في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، مشيرا إلى أنه حمل كاميرته بإيمان عميق لتوثيق محطات خالدة ومعارك ضارية، ومختلف الجوانب الاجتماعية والإنسانية لحياة الثورة والمجاهدين والمجاهدات في الجبال والقرى وديار المهجر.
وأكد أن عدسة الراحل لم تكن مجرد أداة لتسجيل الأحداث، بل كانت عينا ناطقة تحفظ للجزائر روحها، وتؤرخ بصدق لصلابة إرادة أمة قررت انتزاع حريتها بدمائها وعزيمتها.
كما دعا تاشريفت الشباب إلى التحلي بالوعي أمام التدفق الواسع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشددا على ضرورة إدراك قدسية الصورة التاريخية وحمايتها من مخاطر التلاعب وطمس الهوية، لا سيما في ظل التهديدات المتسارعة التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
عندما تتحول آلة التصوير إلى أداة حرب

وفي كلمة بالمناسبة، أبرز مدير متحف الحضارة الإسلامية بالجزائر خالد صابر شريف البعد التأصيلي للمعرض، مؤكدا أن آلة التصوير لم تكن في التجربة الاستعمارية أداة لتوثيق الواقع فحسب، بل استعملها المحتل وسيلة للحرب والتصنيف والإخضاع وتمرير صورة نمطية مشوهة عن الجزائر.
وأوضح أن استعادة القراءة الوطنية تقتضي تفكيك الخطاب الاستعماري في الفضاء المتحفي، مبرزا أن تجربة المصور الراحل محمد كواسي جسدت النظرة الجزائرية المقاومة التي انتزعت هذه الوسيلة لت نقل الحقيقة الثورية إلى العالم.
مداخلات علمية تبرز دور الصورة في حفظ الذاكرة الوطنية

وعرفت الجلسة العلمية تقديم ثلاث مداخلات، حيث أكد الأستاذ عبد الستار حسين، مدير المركز الوطني للدراسات والبحث في المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، أن صيانة الذاكرة مكون استراتيجي في صميم الأمن المجتمعي والسيادة الثقافية، محذرا من “حروب التسارع” والاستلاب الرقمي وتزييف الوقائع، وداعيا إلى أنسنة الرقمنة وأخلقتها لحماية الأجيال.
من جهتها، استعرضت الأستاذة فايزة بكار تجربة الإذاعة السرية في “حرب الأمواج”، مبرزة دورها في نقل صوت الثورة ودحض الدعاية الفرنسية، بفضل عبقرية قادتها وشجاعة إعلامييها من الشهداء والمجاهدين، وصولا إلى استرجاع السيادة على الإذاعة والتلفزيون في 28 أكتوبر 1962.
بدوره، حلل الأستاذ علال بن بيتور نماذج بصرية للأمير عبد القادر، مبينا الفرق بين التنميط الاستعماري الذي استهدف إظهار الأمير كرجل سلام مهادن من خلال لوحة “فرساي”، وبين الصورة الفوتوغرافية الحقيقية ولوحة الفنان الجزائري طالبي، اللتين تبرزان شخصية القائد المجاهد الصامد، مؤكدا محورية الصورة كشاهد يخدم ترسيخ الذاكرة الوطنية.
واختتمت الفعالية بمراسم تكريم عائلة المصور الراحل محمد كواسي، والأساتذة المشاركين في تنشيط الندوة العلمية، إلى جانب الشركة المنجزة للعرض الضوئي والمعرض.
مهدي الباز




