الأولى الوطني

باريس تطلب طاقة الجزائر.. حين تصطدم سياسة التصعيد بحسابات الاقتصاد

تضع التقارير عن طلب فرنسي لزيادة عاجلة في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال من الجزائر سياسة باريس تجاه الجزائر أمام اختبار اقتصادي مباشر. فبين الدعوات الفرنسية إلى التشدد وتقليص التعاون، والحاجة إلى تأمين شحنات إضافية، يظهر التناقض بين خطاب المواجهة ومتطلبات سوق لا تستطيع إدارة احتياجاتها الطاقوية بالشعارات السياسية.

ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية «أجينزيا نوفا»، يوم 20 أكتوبر 2026، عن مصادر صحفية، أن فرنسا طلبت تعزيز الإمدادات الجزائرية بصورة عاجلة. وأوردت الوكالة أن وارداتها من الخام الجزائري بلغت في المتوسط نحو 50 ألف برميل يوميًا خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة. ولم تتضمن المعلومات المتاحة إعلانًا عن عقد جديد أو تحديدًا للكميات الإضافية المطلوبة.

و سبقت ذلك معلومات نشرتها منصة «الطاقة» في 19 أكتوبر، نقلًا عن مصادر مطلعة، بشأن اتصالات فرنسية لزيادة الشحنات في أقرب وقت. وميزت المصادر بين إمكانية رفع الإمدادات النفطية والقيود التي قد تواجه زيادة الغاز المسال، بسبب التزامات سوناطراك تجاه مشترين آخرين.

اقتصاديًا، تعني هذه المعطيات أن باريس تتعامل مع مورد له زبائن وعقود وأولويات تجارية، وأن الحصول على كميات إضافية يتطلب التفاوض على توافرها وأسعارها ومواعيد تسليمها. فالطلب المستعجل لا ينشئ حقًا في الشحنات، ولا يلغي التزامات الشركة الجزائرية تجاه شركائها.

وسياسيًا، يعيد الطلب المنسوب إلى فرنسا طرح سؤال كلفة التصعيد: كيف يمكن الدعوة إلى إضعاف العلاقة مع الجزائر، ثم التعويل على مرونتها التجارية عند اضطراب الإمدادات؟ لا يثبت طلب الشراء وحده عجز فرنسا عن إيجاد بدائل، لكنه يكشف أن استمرار التعامل مع الجزائر يحمل قيمة اقتصادية فعلية، وأن خطاب الاستغناء عنها يتجاهل شروط السوق.

وتسبق هذه المصالح الأزمة الحالية. ففي 8 أفريل 2024، أعلنت «توتال إنرجيز» تمديد علاقتها التعاقدية مع سوناطراك إلى سنة 2025، مع برمجة تسليم مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال خلال 2025 إلى ميناء فوس كافاو قرب مرسيليا. وربطت المجموعة الفرنسية الاتفاق بالمساهمة في أمن الإمدادات بفرنسا وأوروبا. وهذا حجم تعاقدي تاريخي، وليس كمية إضافية مرتبطة بالطلب الذي تحدثت عنه التقارير الأخيرة.

وتوضح هذه الخلفية أن أهمية الجزائر بالنسبة إلى السوق الفرنسية تقوم على ترتيبات توريد معلنة. فوجود مورد معروف وقناة استقبال قائمة وتجربة تعاقدية سابقة يمنح المشترين خيارات عملية، خصوصًا عندما ترتفع صعوبة تأمين الشحنات. أما استبدال هذه العلاقات فيتطلب تقييم الكميات البديلة وكلفة نقلها وشروط التعاقد عليها، وقد تختلف النتائج باختلاف ظروف السوق.

غير أن الخطاب السياسي الفرنسي اتجه، خلال 2025، إلى تصعيد الخلافات. ففي جانفي من تلك السنة، اتهم وزير الداخلية آنذاك برونو روتايو الجزائر بالسعي إلى «إذلال فرنسا»، على خلفية تعثر ترحيل أحد المؤثرين الجزائريين. وعكست العبارة انتقال خلاف إداري ودبلوماسي إلى سجال حول القوة والهيبة، بما يزيد صعوبة معالجة الملفات عبر القنوات المعتادة.

وفي المقابل، أكد وزير الخارجية جان نويل بارو، أمام الجمعية الوطنية في 15 جانفي 2025، أن استمرار التوتر لا يخدم مصالح البلدين. ويكشف التباين بين الموقفين أن الجدل لم يكن بين الجزائر وفرنسا وحدهما، بل داخل المؤسسات الفرنسية أيضًا، بشأن مدى جدوى الضغط وكلفة تعطيل التعاون.

وبحلول مارس، وثقت «لوموند» خلافات داخل السلطة التنفيذية الفرنسية حول إدارة العلاقة، مع طرح إجراءات تتعلق بالتأشيرات وعقوبات اقتصادية ودبلوماسية، مقابل توجه أكثر تمسكًا بالتفاوض. وتكمن المشكلة الاقتصادية في أن توسيع النزاع بين القطاعات قد يحمل الشركات والمتعاملين أعباء خلافات لم يصنعوها، ويزيد عدم اليقين المحيط بالعلاقات التجارية.

ثم أعاد البيان المشترك الصادر عقب اتصال الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، يوم 31 مارس 2025، التأكيد على الحوار المتكافئ، والمصالح الاستراتيجية والأمنية، وتطوير المبادلات والاستثمار مع احترام مصالح البلدين. وقد نشر الإليزيه هذا الموقف رسميًا، بما يجعله مرجعًا واضحًا لطبيعة العلاقة التي أقرت بها الرئاسة الفرنسية: شراكة تستدعي الندية والتفاوض.

ولم يمنع ذلك استمرار الانتقادات الفرنسية لنهج المواجهة. ففي 6 جويلية 2025، اعتبر رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان، في مقابلة مع قناة «إل سي إي»، أن الأسلوب المتشدد لن ينجح مع الجزائر، مستندًا إلى تاريخ العلاقة والجروح التي خلفها. وجاء موقفه في سياق قضية الكاتب بوعلام صنصال، مع دعوة إلى خطوات تعيد التواصل.

وفي الشهر نفسه، رفض بارو إخضاع الدبلوماسية لمنطق الضغائن، في سجاله مع روتايو، كما نقلت «لوبوان» عنه الدعوة إلى عدم تحويل الجزائر إلى موضوع للسياسة الداخلية الفرنسية. ويحدد هذا الموقف أحد أسباب اضطراب العلاقة: استخدام الملفات الثنائية في المنافسة الحزبية، بما يجعل التصعيد مكسبًا خطابيًا محتملًا، حتى عندما تكون له تكلفة على التعاون.

وفي 27 أفريل 2026، عبّر ماكرون عن اعتراض أكثر حدة خلال زيارة إلى مستشفى لافلانيه في منطقة أرييج. فعند مناقشة وضع الأطباء الحاصلين على شهادات أجنبية، قال، وفق ترجمة تصريحه: «اذهبوا وقولوا ذلك لكل المجانين الذين يقولون إنه ينبغي أن نتخاصم مع الجزائر». وكان الحديث عن مساهمة الكفاءات الطبية، وهو سياق يوسع دلالة العلاقة إلى ما وراء الطاقة.

وأوردت وكالة الصحافة الفرنسية، في تغطية نشرت يوم 28 أفريل، أن أكثر من ثلث نحو 19 ألف طبيب من فئة الممارسين الحاصلين على شهادات من خارج الاتحاد الأوروبي، الذين أحصتهم هيئة الأطباء، حصلوا على شهاداتهم في الجزائر. ولا يشمل هذا الرقم جميع الأطباء في فرنسا، لكنه يبين وزن التكوين الجزائري داخل هذه الفئة المهنية.

ويجمع ملفا الطاقة والصحة بين نوعين من المصالح الفرنسية: إمدادات تحتاج إليها السوق، وكفاءات تسهم في تشغيل المؤسسات الصحية. ولذلك، فإن تقييم العلاقة مع الجزائر بمنطق المواجهة وحده يستبعد عناصر أساسية من الحساب. فالقرارات السياسية التي تمس هذه الروابط يجب أن تراعي آثارها التشغيلية والمالية والبشرية، لا مردودها الإعلامي فقط.

وتأتي التقارير عن طلب الطاقة الإضافية في ظرف دولي يزيد أهمية تنويع الموردين. فقد ربطت «لوموند»، في تقرير نشرته يوم 20 أكتوبر، جولة ماكرون الخليجية بالسعي إلى تأمين الإمدادات ومواجهة ارتفاع أسعار الوقود، في ظل اضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.

وفي مثل هذه الظروف، تتسع قيمة العلاقات التجارية القائمة. فالمشتري يحتاج إلى مصادر متعددة يمكن التفاوض معها، بينما يحتفظ المورد بحق تقييم الطلبات وفق قدراته والتزاماته وعائدها. ومن هذه الزاوية، يعزز الاهتمام الفرنسي بالإمدادات الجزائرية أهمية الحفاظ على علاقة مستقرة مع الجزائر، ويضعف الحجة القائلة إن التصعيد يمكن أن يستمر دون تكلفة اقتصادية.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فالفرصة المحتملة تتمثل في تحسين العائد من الكميات المتاحة، مع حماية مصالحها واحترام عقودها. ولا تعني زيادة الطلب بالضرورة تحقيق مكاسب تلقائية؛ إذ يتوقف ذلك على السعر، وكلفة التنفيذ، وحجم الشحنات، ومدى توافرها. كما أن الوفاء بالتزامات سوناطراك تجاه زبائنها يحافظ على سمعتها التجارية، وهي قيمة تتجاوز صفقة إضافية واحدة.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام