الأولى الدولي الوطني

النمسا تراهن على الجزائر لتأمين هيدروجينها.. 23 شركة تبحث عن موقع داخل سلسلة SoutH2

تدخل النمسا إلى الجزائر بملف يتجاوز بكثير حجم المبادلات التجارية الحالية بين البلدين. فالدولة الأوروبية التي قد تضطر إلى استيراد نحو 45% من احتياجاتها المستقبلية من الهيدروجين بحلول 2040 تراهن على الجزائر باعتبارها إحدى نقاط الإنتاج الممكنة لممر «SoutH2»، بينما ترافق وزير اقتصادها وطاقةها وسياحتها بعثة تضم 23 شركة وهيئة تسعى إلى حجز موقع مبكر داخل سلسلة الاستثمارات التي سيولدها المشروع، من إنتاج الهيدروجين وتحلية المياه إلى شبكات النقل والتخزين والهندسة والتمويل.

ويصل الوزير فولفغانغ هاتمانسدورفر إلى الجزائر اليوم الأربعاء 30 سبتمبر ضمن جولة إقليمية تمتد إلى 2 أكتوبر، على أن يعقد لقاءات حكومية واقتصادية تسبق اجتماعًا وزاريًا متعدد الأطراف يوم الخميس 1 أكتوبر حول ممر الهيدروجين الجنوبي، بمشاركة الجزائر والنمسا وألمانيا وإيطاليا، مع توجيه دعوة إلى تونس.

ويضع هذا البرنامج الجزائر في قلب الحسابات الطاقوية النمساوية، لأن فيينا لا تبحث فقط عن مصدر إضافي للطاقة، بل عن ممر يسمح لها بإيصال الهيدروجين القادم من شمال إفريقيا إلى مصانعها وأسواق وسط أوروبا. ويمتد «SoutH2» على نحو 3300 كيلومتر، انطلاقًا من شمال إفريقيا عبر إيطاليا ثم النمسا وصولًا إلى ألمانيا، وتشارك في تطويره شركات تشغيل شبكات كبرى هي Snam الإيطالية وTAG وGas Connect Austria النمساويتان وbayernets الألمانية.

وتقدر الاستثمارات المرتبطة بالممر بنحو أربعة مليارات يورو، مع استهداف قدرة نقل تصل إلى 4.4 ملايين طن من الهيدروجين سنويًا، بينها نحو 1.7 مليون طن موجهة إلى النمسا وألمانيا. ويقوم أحد أهم عناصر الجدوى الاقتصادية للمشروع على إعادة استخدام أكثر من 65% من البنية التحتية القائمة، ما يسمح بتقليص جانب من تكاليف إنشاء شبكة جديدة بالكامل وتسريع الربط بين مناطق الإنتاج في الجنوب والأسواق الصناعية الأوروبية.

ومن هذه الزاوية، تصبح زيارة هاتمانسدورفر إلى الجزائر مختلفة عن مهمة تجارية تقليدية. فالنمسا تحاول الدخول إلى المشروع قبل تثبيت جميع تفاصيله التجارية والمالية، بينما ما تزال ملفات الإنتاج والكميات والأسعار ومواقع التحليل الكهربائي ومصادر المياه وعقود الشراء طويلة الأجل قيد التفاوض. وكل شركة تدخل في هذه المرحلة يمكن أن تتموقع لاحقًا داخل حلقات الاستثمار التي ستنشأ حول الممر.

ويفسر ذلك تركيبة الوفد النمساوي الذي لا يقتصر على شركات الطاقة. ففي مقدمة المشاركين توجد OMV وVERBUND وVERBUND Green Hydrogen وGas Connect Austria وTAG، وهي مؤسسات مرتبطة مباشرة بملفات الغاز والهيدروجين والنقل. وتشارك إلى جانبها شركات متخصصة في الهندسة والصناعة والمياه والسكك الحديدية والكهرباء والتخزين والمعدات والتمويل، ما يعكس استعدادًا للتعامل مع المشروع باعتباره منظومة صناعية كاملة وليس مجرد خط أنابيب.

كما تكتسب مشاركة Gas Connect Austria وTAG أهمية خاصة، لأنهما جزء من البنية التي ستستقبل الهيدروجين عند دخوله الأراضي النمساوية. بينما يمثل حضور VERBUND Green Hydrogen رابطًا مباشرًا مع مشاريع إنتاج الهيدروجين المتجدد. ومن الجانب الصناعي، يضم الوفد ANDRITZ وAMAG وAVL وEVG وRHI Magnesita وPALFINGER وSchiebel وKnill Group وSiemens Mobility Austria وBAUR وHOT Energy Group، وهي شركات يمكن أن تدخل في تجهيزات المصانع والطاقة والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والصيانة والتحكم والتخزين.

كما تحضر شركات متخصصة في المياه مثل GIS Aqua وfluvicon، وهو عنصر أساسي في أي توسع واسع لإنتاج الهيدروجين الأخضر في الجزائر. بالنظر إلى الحاجة إلى توفير مياه معالجة أو محلاة للتحليل الكهربائي. وتفتح مشاركة LAT Nitrogen ملف الأمونيا والمنتجات النيتروجينية، بينما يضيف وجود Raiffeisen Bank International بعدًا ماليًا يتعلق بتمويل التجارة والمعدات والمشروعات وضمانات التصدير.

ويعني ذلك أن النمسا لا تتحرك فقط لتأمين الكميات التي قد تحتاج إليها مستقبلًا، بل أيضًا لضمان أن تحصل شركاتها على جزء من الإنفاق الرأسمالي الذي سيصاحب تطوير الممر. فكل محطة تحليل كهربائي أو تحلية أو ضغط أو تخزين أو ربط كهربائي تحتاج إلى تجهيزات ومقاولين وخدمات هندسية وتمويل، وهو ما يفتح سوقًا أوسع بكثير من قيمة التجارة الثنائية الحالية.

وتشير الأرقام إلى أن العلاقة التجارية ما تزال محدودة مقارنة بحجم الطموحات الجديدة. فقد بلغت صادرات النمسا إلى الجزائر 133.94 مليون يورو خلال النصف الأول من 2026، مقابل واردات من الجزائر بقيمة 17.53 مليون يورو، ليصل إجمالي المبادلات إلى نحو 151.5 مليون يورو، مع فائض تجاري نمساوي يتجاوز 116 مليونًا.

ويكشف هذا الاختلال أن النمسا تبيع إلى الجزائر أكثر بكثير مما تشتري منها، خصوصًا في الآلات والتجهيزات والمعدات الصناعية والمنتجات الصيدلانية والمركبات والمواد المصنعة. وفي المقابل، تتركز المشتريات النمساوية من الجزائر في النفط والغاز والمنتجات الكيميائية، ما يجعل العلاقة الحالية أقرب إلى نموذج تصدير المعدات مقابل شراء الطاقة.

غير أن «SoutH2» يمكن أن يعيد تشكيل هذه العلاقة إذا انتقل من مرحلة التخطيط إلى الاستثمار. فبدل أن تبقى الجزائر مستوردًا للآلات النمساوية ومصدرًا للطاقة فقط، يمكن أن تصبح موقعًا لإنتاج الهيدروجين وتجهيزاته ومكوناته الصناعية، بشرط أن ترتبط الشراكات بمستويات واضحة من التصنيع المحلي والمناولة والتكوين ونقل التكنولوجيا.

وتحمل زيارة مصفاة سيدي رزين في براقي هذا البعد الصناعي أيضًا، إذ تسمح للوفد بمعاينة منشأة تكرير تعمل بطاقة تقارب 3.645 ملايين طن سنويًا، وتفتح أمام الشركات المشاركة ملفات مرتبطة بالهندسة والتحكم والصيانة والصمامات والمضخات ورفع كفاءة العمليات الصناعية، وهي مجالات تتجاوز مشروع الهيدروجين نفسه.

كما أن معاينة منشأة للنقل بالكابلات تستخدم تكنولوجيا نمساوية تمنح الزيارة نموذجًا قائمًا بالفعل لحضور التكنولوجيا النمساوية داخل السوق الجزائرية، في وقت تسعى فيه فيينا إلى توسيع هذا الحضور نحو الطاقة والصناعة والمياه والنقل.

ويأتي الاجتماع الوزاري المرتقب يوم الخميس باعتباره أهم محطة في الزيارة، لأنه يرفع الملف من مستوى اتصالات الشركات إلى التنسيق الحكومي بين دول الإنتاج والعبور والاستهلاك. فالجزائر تمثل نقطة الإنتاج المحتملة، وإيطاليا والنمسا حلقتي عبور رئيسيتين، بينما تشكل ألمانيا والنمسا جزءًا من السوق النهائية المستهدفة.

وردة جزائري

🔗 شارك: 💬 واتساب ✈️ تيليغرام