صادق مجلس وزراء الدول العربية المسؤولين عن شؤون البيئة خلال دورته الـ37 المنعقدة بالقاهرة في الفاتح من شهر أكتوبر الجاري، على قرار يتضمن الإشادة والترحيب بتجربة الجزائر في إعادة تأهيل مفرغة “واد السمار” وتحويلها إلى منتزه حضري وفضاء إيكولوجي مع العمل على تعميم الاستفادة منها على المستوى العربي.
ويكرّس هذا القرار العربي، أهمية هذه التجربة باعتبارها خبرة جزائرية فريدة في الوطن العربي ، وبإمكان تبادلها وتعميم الاستفادة منها عربيا، بما يعزّز التعاون العربي في مجال حماية البيئة وإعادة تأهيل المواقع المتدهورة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ولتسليط الضوء على الأبعاد البيئية لهذه التجربة الفريدة في “الوطن العربي “وأثرها على التنمية المستدامة عربياً، اتصلت “شرشال نيوز” بالخبير البيئي وأخصائي البصمة الكربونية المصري، الدكتور أسامة محمد السعدني، الذي أكّد بأن تجربة تحويل مفرغة “واد السمار” بالعاصمة الجزائرية إلى منتزه حضري إيكولوجي متكامل تمثل نموذجًا رائدًا في إعادة تأهيل المواقع المتدهورة بيئيًا، من خلال الجمع بين التقنيات الحديثة والرؤية البيئية الشاملة.
وأوضح الخبير البيئي السعدني في حديثه لـ”شرشال نيوز”، أن هذا المشروع، الذي حظي بإشادة مجلس وزراء البيئة العرب واعتماده نموذجًا يُحتذى به على المستوى العربي، يعكس إمكانية تحويل المفارغ العشوائية التي شكّلت مصدرًا للتلوّث والمخاطر الصحية إلى فضاءات خضراء تسهم في تحسين جودة الحياة واستعادة التوازن البيئي.
وأشار الخبير البيئي المصري، إلى أن مفرغة “واد السمار”، التي امتدت على مساحة تقارب 45 هكتارًا، شكّلت لسنوات طويلة تهديدًا بيئيًا وصحيًا بسبب تراكم النفايات وانبعاث الروائح الكريهة، فضلًا عن تأثيراتها السلبية على جودة الهواء وصحة السكان المجاورين. مشيرا الى أن الجزائر قد تمكنت من تحويل هذا الموقع المتدهور إلى فضاء أخضر للراحة والاستجمام، ضمن رؤية تهدف إلى إعادة تأهيل المواقع الملوثة وإدماجها في النسيج الحضري.
تقنيات حديثة لتحويل النفايات إلى موارد منتجة
ونوّه الخبير البيئي المصري أسامة محمد السعدني الى الأساليب التقنية الحديثة المستخدمة في المشروع، موضحا بأن عملية إعادة التأهيل اعتمدت على آليات متقدمة لإدارة النفايات المتراكمة، من بينها استخراج الغاز الحيوي، وخاصة غاز الميثان، عبر شبكة تضم 127 بئرًا، ثم تحويله إلى طاقة كهربائية تُستخدم في إنارة المنتزه ومرافقه.
واعتبر أن هذا الإجراء يمثل تطبيقًا عمليًا لمبادئ الاقتصاد الدائري، من خلال استغلال النفايات وتحويلها من مصدر للتلوث إلى مورد يمكن الاستفادة منه في إنتاج الطاقة.
كما أشار إلى معالجة عصارة النفايات باستخدام تقنية التناضح العكسي، بما أتاح إنتاج مياه قابلة لإعادة الاستخدام في ري المساحات الخضراء وتنظيف المرافق، مؤكدًا أن هذه الحلول لا تقتصر على الحد من مصادر التلوث، بل تتيح أيضًا استغلال الموارد الناتجة عن النفايات، بما يسهم في تقليص البصمة الكربونية للموقع والمساهمة في جهود مكافحة التغير المناخي.
تجربة جزائرية تحظى بإشادة عربية
وفي السياق ذاته، ربط الدكتور أسامة السعدني هذا الإنجاز بالتوجه نحو تشجيع الاستثمار في المجال البيئي، واستغلال النفايات المنزلية باعتبارها “ثروة حقيقية” يمكن تثمينها كتجارب مميزة في الوطن العربي، بالتوازي مع مشاريع أخرى لإعادة التأهيل البيئي، من بينها مشروع وادي الحراش بالجزائر العاصمة.
وأضاف أن تجربة “واد السمار”، تجربة فريدة وقد حظيت باعتراف عربي رسمي خلال الدورة الـ37 لمجلس وزراء الدول العربية المسؤولين عن شؤون البيئة، حيث أشاد المجلس بها، ودعا إلى الاستفادة منها وتبادل الخبرات بشأنها على المستوى العربي.
وفي ذات السياق، أشار الخبير البيئي إلى الزيارة رئيس هيئة البيئة العمانية، عبد الله بن علي العمري، الأسبوع المنصرم، لمتنزه “إيكوبارك” “واد السمار” بالجزائر العاصمة، حيث أطلع على هذه التجربة الجزائرية وأشاد بالنتائج المحققة في مجال استعادة المواقع المتدهورة وإعادة إدماجها في النسيج الحضري، بما يسهم في حماية البيئة وتحسين الإطار المعيشي للمواطن، معتبرًا أن هذا الاعتراف يعكس أهمية التجربة الجزائرية وإمكانية الاستفادة منها في إعادة تأهيل المواقع المتدهورة بيئيًا في المنطقة العربية.
الاستدامة البيئية تتجاوز البعد الجمالي
ومن منظور علمي أكاديمي،أكّد الخبير البيئي السعدني، أن مشروع منتزه “واد السمار” يجسّد تطبيقًا لمبادئ الاستدامة البيئية والبيوتكنولوجيا البيئية، موضحًا أن إعادة تأهيل المفارغ لا تقتصر على تحسين المظهر الحضري وتوفير فضاءات للراحة والترفيه، بل تشمل أيضًا حماية التنوّع البيولوجي، والحد من انبعاثات غازات الدفيئة، وتحسين الصحة العامة.
وشدّد على أن هذه الأهداف تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحديات البيئية التي تواجه المنطقة العربية، لاسيما تزايد كميات النفايات وتداعيات التغير المناخي، ما يجعل إعادة تأهيل المواقع المتدهورة ضرورة بيئية وتنموية.
وخلص الدكتور أسامة محمد السعدني، إلى أن منتزه “واد السمار” يتجاوز كونه حديقة عامة، ليقدم نموذجًا عمليًا عربياً لإمكانية تحويل التحديات البيئية إلى فرص، عندما تتكامل الإرادة السياسية مع الكفاءة التقنية والرؤية البيئية الشاملة.
وأعرب عن أمله في أن تستفيد الدول العربية من هذه التجربة، وأن تتحوّل المفارغ العشوائية في المدن إلى مساحات خضراء منتجة تخدم الإنسان والبيئة معًا، وتسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.
مهدي الباز




