28.8% من إجمالي إمدادات الغاز التي تحصل عليها مجموعة إيني الإيطالية بات مصدرها الجزائر خلال النصف الأول من 2026، في تطور يعزز مكانة المورد الجزائري داخل واحدة من أكبر المجموعات الطاقوية الأوروبية، بالتزامن مع استثمارات مشتركة تتجاوز 8 مليارات دولار لتطوير الإنتاج ورفع قدرات التصدير. ويكتسب هذا التحول أهمية اقتصادية متزايدة مع بلوغ أسعار الغاز في أوروبا 100 يورو للميغاواط ساعة، للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022، نتيجة الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، في وقت أصبحت فيه الإمدادات الجزائرية أحد أبرز مكونات استراتيجية إيني لتنويع مصادر التموين وتأمين احتياجات السوق الإيطالية.
وتعكس أحدث البيانات المالية المنشورة من طرف المجموعة الإيطالية ارتفاعًا ملحوظًا في حجم الغاز الذي تحصل عليه من الجزائر، بعدما بلغت الكميات 7.16 مليارات متر مكعب خلال الأشهر الستة الأولى من السنة الجارية، مقابل 5.88 مليارات متر مكعب في الفترة نفسها من 2025، ما يمثل نموًا بنسبة 21.8% وزيادة قدرها 1.28 مليار متر مكعب.
وبحسب التقرير المالي المرحلي الذي أودعته إيني لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، فإن هذه الزيادة جاءت في سياق توسع إجمالي إمدادات المجموعة إلى 24.90 مليار متر مكعب، مقارنة بـ21.48 مليار متر مكعب قبل عام، أي بارتفاع قدره 15.9%. وبذلك، تجاوزت وتيرة نمو الإمدادات الجزائرية المعدل العام لنمو مشتريات الشركة، ما يعكس ارتفاع الوزن النسبي للمصدر الجزائري داخل محفظتها الدولية.
ويمنح هذا الأداء الجزائر موقع الصدارة بين البلدان الموردة للغاز إلى إيني، بفارق واضح عن النرويج التي بلغت مساهمتها 3.77 مليارات متر مكعب، وإيطاليا التي وفرت 3.23 مليارات متر مكعب من الإنتاج المحلي، فيما بلغت إمدادات نيجيريا 2.26 مليار متر مكعب.
ولا تتوقف دلالة هذه الأرقام عند حجم الكميات الموردة، إذ ساهمت الجزائر وحدها بنحو 37.4% من الزيادة الإجمالية التي سجلتها مشتريات المجموعة خلال النصف الأول من 2026، بعدما أضافت 1.28 مليار متر مكعب من أصل 3.42 مليارات متر مكعب تمثل الارتفاع المسجل في إجمالي الإمدادات.
ويأتي ذلك بينما تشهد خريطة موردي إيني تحولات متفاوتة، حيث سجلت الإمدادات القادمة من نيجيريا زيادة بمليار متر مكعب، وارتفعت مشتريات المجموعة من الكونغو بـ560 مليون متر مكعب، ومن النرويج بـ320 مليون متر مكعب، مقابل تراجع الإمدادات القادمة من إندونيسيا بـ690 مليون متر مكعب.
وفي المقابل، اختفت الإمدادات القطرية من الحصيلة المسجلة خلال النصف الأول من 2026، بعدما بلغت صفرًا مقابل 1.15 مليار متر مكعب في الفترة المقابلة من 2025، وهو تراجع ربطته إيني باضطرابات تشغيلية أثرت في انتظام التموين.
وتبرز هذه المعطيات أهمية الجزائر ضمن منظومة التوريد التي تعتمد عليها المجموعة الإيطالية، خصوصًا أن جزءًا معتبرًا من الإمدادات الجزائرية يستفيد من شبكة أنابيب قائمة تربط شمال إفريقيا بجنوب أوروبا، بما يوفر مسارًا بريًا وبحريًا بعيدًا عن بعض الممرات الدولية التي تتأثر بالتوترات الجيوسياسية.
وتؤكد المقارنة السنوية أن صدارة الجزائر لم تكن نتيجة ظرف استثنائي خلال الأشهر الأخيرة، إذ بلغت إمدادات إيني من الغاز الجزائري 10.72 مليارات متر مكعب خلال 2025، مقابل 10.70 مليارات متر مكعب في 2024، ما جعل الجزائر أكبر مصدر جغرافي منفرد للغاز ضمن محفظة الشركة خلال العامين.
غير أن التطور الأبرز في 2026 يتمثل في ارتفاع حصتها من إجمالي إمدادات المجموعة من نحو 24.4% خلال كامل 2025 إلى 28.8% في النصف الأول من العام الجاري، وهو مؤشر على تعزيز موقعها التجاري، مع ضرورة مراعاة اختلاف الفترة الزمنية التي تغطيها كل حصيلة.
وعلى مستوى السوق الإيطالية، تبدو الأهمية الاستراتيجية للغاز الجزائري أكثر اتساعًا من مشتريات إيني وحدها. فقد أظهرت بيانات قطاعية نشرتها منصة «كوال إنيرجيا» الإيطالية أن إمدادات الغاز القادمة من الجزائر عبر الأنابيب بلغت 11.4 مليار متر مكعب خلال النصف الأول من 2026، بارتفاع 4.3% على أساس سنوي، لتغطي ما يعادل 34.7% من الطلب الإيطالي على الغاز خلال الفترة نفسها.
وتعزز هذه النتائج موقع الجزائر بوصفها أول مورد لإيطاليا عبر خطوط الأنابيب، متقدمة على أذربيجان التي بلغت إمداداتها 4.9 مليارات متر مكعب، فيما تراجعت الكميات القادمة من شمال أوروبا إلى 3.4 مليارات متر مكعب، وانخفضت الإمدادات الليبية إلى 188 مليون متر مكعب.
كما تعكس هذه الأرقام تغير بنية التموين الإيطالية مقارنة بالسنوات التي سبقت أزمة الطاقة الأوروبية، عندما كان الغاز الروسي يحتل موقعًا أكثر أهمية في الواردات. فقد انخفضت مساهمة روسيا إلى نحو 1.8% من الطلب الإيطالي خلال النصف الأول من 2026، مقابل واردات بلغت 15.9 مليار متر مكعب خلال الفترة المقابلة من 2019.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، باعتبار أن تراجع الاعتماد الإيطالي على الغاز الروسي أعاد ترتيب أولويات روما في مجال أمن الطاقة، وفتح مجالًا أوسع لترسيخ الشراكات طويلة الأجل مع الموردين القادرين على توفير كميات منتظمة عبر البنية التحتية القائمة.
وفي هذا السياق، تستند العلاقة بين الجزائر وإيطاليا إلى شبكة ترانسماد، التي تنقل الغاز من حاسي الرمل عبر تونس ومضيق صقلية وصولًا إلى مازارا ديل فالو، حيث ترتبط بالشبكة الإيطالية. وتضم المنظومة البحرية خمسة خطوط أنابيب، ما يوفر منفذًا مباشرًا للغاز الجزائري نحو السوق الأوروبية دون المرور بمضيق هرمز.
وقد تعزز الجانب الاستثماري لهذه المنظومة في جانفي 2023، مع استكمال الشراكة بين إيني وسنام ضمن شركة «سي كوريدور»، التي تمتلك فيها المجموعة الأولى 50.1% والثانية 49.9%، في إطار إدارة مشتركة للمصالح المرتبطة بخطوط نقل الغاز العابرة لتونس والبحر المتوسط.
وبموازاة تطوير منظومة النقل، تتجه الشراكة الجزائرية الإيطالية نحو توسيع القاعدة الإنتاجية من خلال مشاريع جديدة تستهدف رفع قدرات استخراج الغاز، بما يسمح بدعم الالتزامات التعاقدية المستقبلية وتعزيز استدامة الإمدادات.
وتشكل الاتفاقات التي أعلنت عنها سوناطراك وإيني في 23 جويلية 2025 محطة أساسية في هذا التوجه، بعدما وقعت المجموعتان مذكرة تفاهم خلال القمة الحكومية الجزائرية الإيطالية، بحضور رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون ورئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني.
وتشمل المذكرة تعزيز التعاون في قطاع المحروقات وتطوير الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، إلى جانب توسيع الاستثمار في الموارد الغازية الجزائرية من خلال عقود ومشاريع جديدة.
ووفق الإعلان الرسمي لإيني، تتجاوز القيمة الإجمالية للاستثمارات المرتبطة بهذه المبادرات 8 مليارات دولار، مع استهداف زيادة إنتاج الغاز بما يصل إلى 5.5 مليارات متر مكعب سنويًا بحلول 2028، وهي كميات إضافية منتظرة على مستوى الإنتاج، وليست زيادة تحققت بالفعل في الصادرات.
ويتضمن هذا البرنامج مشاريع مرتبطة بمنطقتي زملة الكبار ورقان 2، إلى جانب مبادرات أخرى يشملها التعاون الثنائي، في إطار توجه يستهدف تثمين الموارد الجزائرية وتعزيز قدرات الإنتاج وتمديد عقود الغاز الموجهة إلى السوق الإيطالية.
وتستند هذه الشراكة إلى حضور طويل لإيني في قطاع المحروقات الجزائري يعود إلى سنة 1981، حيث بلغ إنتاجها من حصصها في المشاريع الجزائرية نحو 137 ألف برميل مكافئ نفط يوميًا خلال 2024، ما يجعل نشاط المجموعة في البلاد مرتبطًا بالاستكشاف والإنتاج والتطوير، وليس بمجرد شراء الغاز وتسويقه.
وتتزامن هذه الديناميكية الاستثمارية مع مرحلة جديدة من التقلبات في أسواق الطاقة الأوروبية، بعدما ارتفع السعر المرجعي للغاز الهولندي «TTF» إلى 100 يورو للميغاواط ساعة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في أعلى مستوى له منذ ديسمبر 2022، مدفوعًا بتأثير الحرب التي تشمل إيران واضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط وتراجع مستويات التخزين الأوروبية.
وتشير المعطيات السوقية إلى أن هذه الارتفاعات تأتي في ظروف تختلف عن أزمة 2022، عندما تجاوز السعر المرجعي 300 يورو للميغاواط ساعة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا وتقلص الإمدادات الروسية إلى أوروبا.
وفي أحدث تصريح بشأن آفاق الأسعار، استبعد ستيفانو بوجاتي، مدير المحفظة العالمية والتجارة في إيني، عودة الغاز إلى الذروة التاريخية المسجلة قبل أربع سنوات، رغم تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وقال المسؤول الإيطالي، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، إن ظروف السوق الحالية تختلف عن تلك التي شهدتها أوروبا في 2022، مشيرًا إلى أن الأزمة الراهنة تؤثر في السوق العالمية للغاز، فيما تسمح مرونة تجارة الغاز الطبيعي المسال بإعادة توجيه الشحنات بين المناطق بحسب تطورات العرض والطلب.
كما أرجع توقعاته إلى التوسع الذي شهدته أوروبا في قدرات استقبال الغاز المسال وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، فضلًا عن توقعات المتعاملين باستقرار الأوضاع في الشرق الأوسط في نهاية المطاف.
غير أن هذه التقديرات لا تلغي الضغوط التي تواجهها السوق الأوروبية، بعدما أدت الاضطرابات الأخيرة إلى تراجع إمدادات الغاز المسال وارتفاع تكاليف الطاقة على قطاعات صناعية كثيفة الاستهلاك، من بينها الصناعات الكيميائية والصلب والأسمدة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة ملء المخزونات قبل اشتداد الطلب الشتوي.
وتوضح معطيات المفوضية الأوروبية أن الاتحاد رفع قدراته السنوية لاستيراد الغاز الطبيعي المسال بمقدار 76 مليار متر مكعب بين 2021 و2025، لتبلغ 242 مليار متر مكعب، وهو توسع ساهم في توفير بدائل إضافية للإمدادات، دون أن يقضي على الاختناقات المرتبطة بشبكات النقل وتوزيع الغاز بين الأسواق الأوروبية.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن ارتفاع الأسعار الأوروبية يمثل عاملًا مؤثرًا في بيئة تسويق الغاز، لكنه لا يسمح باستخلاص زيادة مماثلة في عائدات الصادرات بصورة آلية، بالنظر إلى اختلاف الصيغ التعاقدية والأسعار المرجعية وآجال التسليم والمراجعة التي تحكم الاتفاقات التجارية مع المشترين.
وردة جزائري



