انجازاتُها منحَتها سمعة دولية: الدبلوماسية الجزائرية..إقلاع من جديد

توجّهات جديدة..الندّية.. الخطوط الحمراء.. ورفض المنطقة الرمادية

تعيش الدبلوماسية الجزائرية في الآونة الأخيرة على وقع حركية واضحة، في التعاطي مع كافة القضايا في المحيط الاقليمي والدولي ، لعدة اعتبارات ودواع ومتغيّرات فرضت عليها الخروج من عباءة مراقبة الأوضاع خصوصا في منطقة الجوار الاقليمي، إلى لعب دور أكثر فعالية، وهو ما أثبته الدور الجزائري في منطقة الساحل وبالضبط في مالي، إلى جانب دورها في الملف الليبي، وفي المنطقة العربية وهو ما أبانت عنه بشكل جليّ قمة الجزائر في دورتها الـ31 ، ومخرجاتها الاستثنائية لتقوية الصف العربي، والتي تناولت عديد الملفات وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ..وان اختلف اثنان في الشأن الداخلي فلا خلاف على نجاعة ورصانة وقدر الاحترام من مختلف الأطراف الذي تحظى بها السياسة الخارجية الجزائرية.

فايزة سايح

تقوم الدبلوماسية الجزائرية على عدة أسس ومرتكزات وثوابت تستند الى بيان أول نوفمبر الذي يعدّ بمثابة المرجعية التي تتوارثها الأجيال و كان أول نداء للشعب الجزائري والوثیقة الأولى التي أعلنت عن اندلاع الثورة ضد الاحتلال الغاشم، لقد كان مشبعا بروح الحرية والتضحية، مؤكدا على ارتباط الجزائر بمحيطها الاقليمي، داعيا الى ضرورة تحرّر الشعوب وكسر قيود الاحتلال، كما یعتبر مكمّلا للأھداف التي كانت ترمي إلیھا مسیرة الحركة الوطنیة .

بدايات الدبلوماسية الجزائرية لم تكن سهلة على الإطلاق فقد ذكر الدبلوماسي الجزائري السابق وعضو جيش التحرير الوطني نور الدين جودي بأن عمل الدبلوماسية الجزائرية انطلق إبان الثورة التحريرية حيث كانت القضية الوطنية آنذاك مجهولة لدى الرأي العام الدولي “لا سيما أمام التضليل الاعلامي الفرنسي الذي حاول طمس حقيقة تواجد الدولة الجزائرية, وهو ما دفع بالثوار آنذاك للارتجال من أجل التعريف بالقضية الوطنية وايصال صورتها الحقيقية للعالم“.وأكد جودي أنه على الرغم من نقص تجربتهم في المجال السياسي والدبلوماسي غير أن هؤلاء تمكنوا آنذاك من “رسم صورة مشرّفة للبلد عبر العالم وافتكاك الإعتراف والدعم الدولي للثورة التحريرية“.

السياسة الخارجية الجزائرية..أسس ومبادئ

وفي أعقاب الاستقلال وفي إطار مساعيها لحلّ الأزمات الدولية تنتهج الجزائر مبدأ تسوية الأزمات بالطرق السلمية على اعتبار أن الحلّ السلمي يحول دون دخول أي بلد في دوامة الصراع، لأن التدخّلات والحروب المباشرة أو بالوكالة تؤدي في أغلب الأحيان الى تأزيم الوضع والدخول في متاهة العنف والفوضى. إلى جانب هذا المبدأ لطالما رفضت الجزائر التدخلات الأجنبية، هذا التوجه يعد من مرتكزات السياسة الخارجية الجزائرية، يضاف إلى ذلك نصرتها للقضايا العادلة سيما حق الشعوب في تقرير مصيرها، سواء في الشق السياسي أو الاقتصادي وهو مايظهر بشكل جلي في نبنّيها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته في حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية، وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير كآخر مستعمرة في القارة السمراء وإلى جانب مبادئ أخرى تقوم عليها السياسة الخارجية الجزائرية كحسن الجوار و تعزيز التعاون وهو ما نصّت عليه جل مواثيق ودساتير الجمهورية .

دبلوماسية رصينة …بشواهد تاريخية

واذا عدنا بعجلة التاريخ قليلا الى الوراء، نجد أن الجزائر تشبثت لعقود من الزمن بما يسمى الهدوء في حل الأزمات الدولية، على غرار الدور الجزائري في رصّ الصف العراقي والإيراني وإعادتهما إلى الحوار و ما أسفر عنه من توقيع اتفاقية الجزائر الخاصة بترسيم الحدود بين البلدين في عام (1975).

كما تمكّنت أيضا من خلال دبلوماسيتها الرصينة، خلال السبعينات من حلّ أزمة الرهائن الأميركيين 52 في العاصمة الإيرانية طهران، الأمر الذي يجعل واشنطن تحيي كل عام الجزائر وتثني على دورها في حلحلة تلك الأزمة الشائكة، ومن ذلك ما كتبه السفير الأمريكي السابق في الجزائر جون ليمبرت الذي كان من بين الرهائن ” مؤكدا أنه لن أنسى أبدا الخدمة التي قدمها الجزائريون على رأسهم السفير الراحل رضا مالك في واشنطن والسفير عبد الكريم غريب في طهران إضافة إلى الأطباء الجزائريين في طهران وطواقم طائرات الخطوط الجوية الجزائرية التي نقلتهم من إيران الى الجزائر العاصمة ”.

كما لعبت الدبلوماسية الجزائرية دورا حاسما في إلغاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، الذي ساد طيلة 43 سنة، جنوب أفريقيا اليوم تقيم علاقات خارجية متميزة وعلى مستوى رفيع من التعاون مع الجزائر.

إلى جانب الدور الذي لعبته في حل الأزمة اللبنانية من خلال “اتفاق الطائف ” ، في الثمانينات بالإضافة إلى ذلك أسهمت الدبلوماسية الجزائرية في التوصّل إلى اتفاق السّلام بين إثيوبيا وإريتريا، علاوة على كونها وسيطا للسّلام في مالي ودفعت في هذا الشأن نحو رفض التدخلات الأجنبية من أجل عودة الاستقرار واستتباب الأمن في الجارة الجنوبية ، وعلى نفس الخطى تدافع الجزائر باستمرار على أولوية الحل الداخلي بين مختلف الفرقاء في ليبيا وترفض التدخلات الخارجية.

هذه الشواهد التاريخية وغيرها أكسبت الدبلوماسية الجزائرية صيتا واحتراما دولييين واسعين، ورغم التراجع سنوات التسعينات نتيجة العشرية السوداء ، الا أنها استمرت في نهجها الهادئ بالدّفع للسلام في عديد الدول وإيجاد حلول سياسية للأزمات دون الخوض في الشؤون الداخلية للبلدان ، فلم تتدخل يوما في شؤون الدول الا لرأب الصدع خصوصا في الصف العربي، كما أنها تميّزت بـ”النضج” لأنها لا تنحاز الى طرف على حساب آخر وتحافظ على نفس المسافة من كل الاطراف.

دبلوماسية ضحّت بالنفس والنفيس

ان الصيت والسمعة التي تحظى به الدبلوماسية الجزائرية ، لم يأتي من فراغ فنظير الانجازات التي تحقّقت ، قضي رجال ونساء نحبهم، وكل من خاض في غمار هذا الحقل لابد له أن يتعرف على “شهداء الدبلوماسية الجزائرية “الراحل وزير الخارجية محمد الصديق بن يحيى من أفضل دبلوماسي الجزائر على الإطلاق، الذي قضي نحبه في ماي من سنة 1982، حيث تحطمت طائرة رئاسية جزائرية كانت تقلّه والوفد المرافق له وبعثة صحافية، عندما كانت في الأجواء بين العراق وتركيا في مهمة سلام بين العراق وإيران لوقف الحرب التي كانت قد اندلعت بين البلدين في 1980.

وفي العراق أيضا عام 2005، تم الإعلان عن استشهاد اثنين من الدبلوماسيين العاملين في بغداد من طرف التنظيم القاعدة الإرهابي ، يوم مأساوي آخر عرفته الدبلوماسية الجزائرية عام 2012، حين تمّ الإعلان عن اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين في مدينة غاو بشمالي مالي ، الى جانب تجارب مأساوية أخرى راح ضحيتها أبناء الدبلوماسية الجزائرية.

ملفات شائكة تعيد الدبلوماسية الجزائرية إلى الواجهة

وفي طريقها لايجاد حلول لأزمات الجنوب راهنت الجزائر على الخيارات الدبلوماسية في معالجة عدة ملفات شائكة خاصة وان تلك البلدان متاخمة لحدوها، فمثلا نجد ان أزمات مالي والنيجر التي كان لها افرازات وانعكاسات مباشرة على الجزائر من خلال انتشار ظاهرة الهجرة غير الشّرعية، الى جانب تزايد مخاوف انتشار السلاح ووقوعها بين أيدي المجموعات الإرهابية، دفعت بالجزائر الى مراقبة الحدود وتحصينها واعتماد مقاربة أمنية تنسجم مع رؤيتها في محاربة الظاهرة الإرهابية. بالتوازي مع ذلك فعّلت الجزائر بشكل أكبر آلياتها الدبلوماسية بغية إعادة الاستقرار وإرساء السلام لهذه المنطقة . وفي السياق توالت الزيارات لوزير الخارجية رمضان لعمارة الى مالي وهنا تبيّن الدور الكبير الذي باتت الجزائر تلعبه في هندسة الأمن والاستقرار في المنطقة بما يحقّق مصالح دول المنطقة وشعوبها. مقابل الحصول على ضمانات من باريس بعدم التشويش على الخيارات الإقليمية للجزائر ودول الساحل، وهو ما يعني أن الجزائر باتت تلعب دورا حيويا ومركزيا في مالي أكثر من الذي كانت تشغله في السنوات القليلة الماضية، مقابل تراجع الدور الفرنسي الذي أصبح يجابَه برفض شعبي وسياسي داخلي في مالي نتيجة الفشل السياسي والعسكري الذريع الذي كرسته سياسات باريس التدخلية .

من جهة أخرى، لم تتخلّ الجزائر عن الجارة ليبيا التي نتقاسم معها حدود شاسعة وبحكم الروابط التاريخية ، فقد منحت الدبلوماسية الجزائرية حيزا هاما لملفها، ليبيا ورغم مرور 10 سنوات من سقوط نظام القذافي الا أنها لا تزال تئنّ تحت وطأة الفوضى والصراعات الداخلية والانقسامات في الرؤى وتعدّد القرارات الداخلية كانعكاس للتدخلات الخارجية والدولية. وفي إطار مساع تسوية الأزمة الليبية، تبّنت الجزائر موقفًا حازمًا في الدفع باتجاه مصالحة وطنية بين الفرقاء السياسيين والضغط لتحييد مختلف التدخلات الإقليمية والدولية التي كانت سببا مباشرا في تعميق الأزمة.

دبلوماسية الفعل والتأثير والاستباقية

وكشفت تصريحات رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، بمناسبة الذكرى الستين لانضمام الجزائر إلى الأمم المتحدة في الأيام القليلة الماضية، أن الدبلوماسية الجزائرية، انتقلت من الدبلوماسية الكلاسيكية إلى دبلوماسية الفعل والتأثير من خلال تجديد أساليب التعامل مع مختلف قضايا العالم. كما أكد وزير الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، رمطان لعمامرة، من جهته، أن إنجاز الأهداف التي سطّرها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بدأت تتحقّق وفي مقدمتها القمة العربية، واعدا بالانتقال إلى آفاق أرحب وأنجح في المستقبل القريب حيث ستكسب مقعدا في مجلس الأمن سنة 2024 بالإضافة الى عدد من المراكز المهمة في الدبلوماسية المتعددة.

هذه التصريحات التي أكّدها الواقع تُبيّن أن الدبلوماسية الجزائرية باتت تعتمد على مقاربة جديدة حـيال الـملفـات الدولية قائمة على إرساء دبلوماسية قائمة على “اليقظة والاستباقية”، إذ تواجه الجزائر العديد من الأزمات بجرأة وندية.

الندّية و”الخطوط الحمراء”

أطلق الرئيس عبد المجيد تبون في حملته الانتخابية التي سبقت وصوله لقصر المرادية، الالتزامات الـ54، والتي شملت نقاطا تخصّ الدبلوماسية، ومن ذلك “مراجعة الأهداف والمهام الكلاسيكية للدبلوماسية الجزائرية. فكان من الضروري أن تواجه الدبلوماسية التحديات والمخاطر الماثلة أمامها بلغة وأساليب غير مسبوقة، من بينها رفضها القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني، أين أعلن الرئيس تبون أن “الجزائر تعارض الهرولة نحو التطبيع” ، واتبع ذلك بمواقف ثابتة وداعمة لفلسطين في مواجهة الاحتلال، منها إعلان لم الشمل الفلسطيني ورأب الصدع الذي دام قرابة 15 عاما.

وسبق ذلك الدور الجزائري الواسع في الاتحاد الإفريقي لتعطيل مسعى الكيان الصهيوني للحصول على عضوية مراقب في القارة السمراء مدعومة في هذا المسعى من نظام المخزن. الذي تشيطن في حيّاكة المؤامرات لضرب استقرار الجزائر سواء بالتحالف مع الكيان الصهيوني وإقامة علاقات متقدمة معه شملت التعاون السياسي والتحالف العسكري، فكان رد فعل الجزائر قويا بقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع مملكة محمد السادس في أوت 2021.

رسالة أخرى قدّمتها لدول الجوار حين أعلنت الجزائر ان ،”طرابلس خط أحمر”، وهو ما وضع النقاط على الحروف في ليبيا ، بلهجة لم تعتد على سماعها الأطراف المتنازعة هناك والمدعومة في جهات خارجية.

“لغة الندّية” برزت بشكل جلي في التعامل مع الملف مع مدريد التي لم تتوقّع رد الفعل الجزائري عقب تخلي رئيس حكومتها عن الحياد في القضية الصحراوية ودعمه الفاضح للاحتلال المغربي، والنتيجة تفجّر صراع داخلي في اسبانيا رفضا لتوجّهاته التي خرقت الشرعية الدولية مع فشله في إحداث اصطفاف أوروبي ضد الجزائر.

وبنفس الندّية ردّت الدبلوماسية الجزائرية على ماكرون الذي أساء للجزائر عمدا بالإساءة للأمة الجزائرية، فتلقّى الرد سريعا بسحب السفير الجزائري من باريس، ومنع تحليق الطائرات العسكرية الفرنسية فوق الأجواء الجزائرية، ولم تتراجع الجزائر عن خطوتها، حتى بدأ نزيل الاليزيه بترطيب الأجواء.

ولكن وعلى قدر الندية التي تنتهجها الدبلوماسية الجزائية، فإنها أبقت على علاقات الود والاحترام مع الدول الشقيقة والصديقة إضافة إلى القوى الكبرى في العالم امريكا والصين وروسيا.

إن عودة الدبلوماسية الجزائرية في الفترة الأخيرة، كرّسها التعافي السياسي الداخلي عقب انتخابات 12 ديسمبر، إلى جانب التطورات الجديدة على الصعيد الدولي والإقليمي، التي استوجبت تحوّل الدبلوماسية الجزائرية إلى نهج إكثر اندفاعا دفاعا عن المصالح الوطنية، ومع هذا تظلّ الدبلوماسية الجزائرية رقما فاعلا اقليميا ودوليا، بالنظر إلى رجاحة مواقفها وقوّة طرحها، وصدقها في التعامل مع مختلف الملفات و القضايا الاقليمية والدولية .

فايزة سايح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: